أُذِنَ لي أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ قد مَرَقَتْ رِجْلاهُ [الأرضَ] السَّابعةَ، والعَرْشُ على مَنْكِبِهِ، يقولُ: سُبحانَكَ! أين كُنتَ؟ وأين تكونُ؟
أخرجه أبو يعلى (6619)
مِن أركانِ الإيمانِ التي يَجِبُ الإيمانُ بها: الإيمانُ بالمَلائِكةِ؛ فهم عِبادٌ مُكرَمونَ لا يَعصونَ اللهَ ما أمَرَهم ويَفعَلونَ ما يُؤمَرونَ، وعَدَدُهم لا يَعلمُه إلَّا اللهُ، وقد جاءَت أوصافُهم في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهم أصنافٌ مُتَعَدِّدةٌ، ولكُلِّ صِنفٍ عَمَلٌ يَعمَلونَه؛ فمِنهمُ الموكَّلُ بنُزولِ الوَحيِ، ومِنهمُ الموكَّلُ بنُزولِ المَطَرِ، ومِنهمُ الموكَّلُ بحَملِ العَرشِ، وهم خَلقٌ عَظيمٌ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن عَظَمةِ خَلقِ المَلائِكةِ، فقال: أُذِنَ لي، أي: سَمَحَ اللهُ لي، أن أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ، أي: عن صِفةِ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكةِ مِمَّن يَحمِلونَ العَرشَ، قد مَرَقَت رِجْلاه الأرضَ السَّابعةَ، أي: وصَلتا إليها وخَرَقَتاها مِن جانِبِها الآخَرِ، يُقالُ: مَرَقَ السَّهمُ، أي: خَرَجَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، والعَرشُ على مَنكِبِه.
وهو ما بَينَ الكَتِفِ والعُنُقِ، والمَعنى: أنَّه مَلَكٌ طَويلٌ، فمِن طولِه أنَّ قدَمَيه في الأرضِ السَّابعةِ، والعَرشُ على كَتِفِه، وهو مَعَ هذه العَظَمةِ، يَقول: سُبحانَك! أي: أُنَزِّهُك عن جَميعِ العُيوبِ والنَّقائِصِ، أينَ كُنتَ، وأينَ تَكونُ، وقَولُه: ""كُنتَ"" يَحتَمِلُ أنَّه بفتحِ الضَّميرِ في ""كُنتَ"" خِطابًا للهِ تعالى، والمَعنى: حَيثُ كُنتَ كان عِلمُك وقُدرَتُك، فيَشمَلُ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرَّاتِ الكَونِ، ويَحتَمِلُ أنَّه ""كُنتُ"" بضَمِّه، أي: حَيثُ كُنتُ أنا، أي: المَلَكُ، أُنَزِّهُك في أيِّ مَحَلٍّ حَلَلتُ، وفي أيِّ مَكانٍ سَكَنتُ.
وهذا مِن عَظَمةِ اللهِ سُبحانَه، حتَّى إنَّ هذا المَلَكَ العَظيمَ يَتَواضَعُ لجَلالِه ويُسَبِّحُه ويُنَزِّهُه، ويَخضَعُ له تَبارَكَ وتعالى.
وفي الحَديثِ بَيانُ عَظَمةِ خَلقِ مَلائِكةِ حَمَلةِ العَرشِ.
وفيه إثباتُ العَرشِ للهِ تعالى.
وفيه أنَّ بَعضَ المَلائِكةِ موكَّلٌ بحَملِ العَرشِ.
وفيه بَيانُ قُدرةِ اللهِ تعالى على كُلِّ شَيءٍ.
وفيه تَسبيحُ المَلائِكةِ للهِ تعالى .