إيَّاكم والشُّحَّ؛ فإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بالشُّحِّ، أمَرَهم بالبُخْلِ فبَخِلوا، وأمَرَهم بالقَطيعةِ فقَطَعوا، وأمَرَهم بالفُجورِ ففَجَروا.
أخرجه أبو داود (1698) واللفظ له، وأحمد (6487) مطولاً باختلاف يسير
إنَّ مِنَ الأخلاقِ الذَّميمةِ والسَّيِّئةِ خُلُقَ البُخلِ؛ حَيثُ يَحرِصُ الشَّخصُ على جَمعِ المالِ وكَسبِه، ثُمَّ يَبخَلُ به ولا يُنفِقُ مِنه، سَواءٌ كانتِ النَّفَقاتُ واجِبةً أو مُستَحَبَّةً، وقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ ببَيانِ ذَمِّه وقُبحِه، وذلك لِما يَتَرَتَّبُ عليه مِن مَفاسِدَ كَبيرةٍ على الفردِ والمُجتَمَعِ؛ ولهذا حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الشُّحِّ وبَيَّن أنَّه مِن أسبابِ هَلاكِ الأُمَمِ السَّابقةِ، فقال: إيَّاكُم والشُّحَّ، أي: احذَروا الشُّحَّ واجتَنِبوه، والشُّحُّ: هو أشَدُّ البُخلِ، وهو أبلغُ في المَنعِ مِنَ البُخلِ، وقيل: هو البُخلُ مَعَ الحِرصِ، وقيل: البُخلُ: في أفرادِ الأُمورِ وآحادِها، والشُّحُّ عامٌّ، وقيل: البُخلُ بالمالِ، والشُّحُّ بالمالِ والمَعروفِ، فإنَّما هَلَكَ مَن كان قَبلَكُم، أي: مِنَ الأُمَمِ السَّابقةِ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى، بالشُّحِّ، أي: بسَبَبِ الشُّحِّ بالمالِ وعَدَمِ بَذلِه في وُجوهِ الخَيرِ، وهو مِن سوءِ الظَّنِّ باللهِ، أمَرَهم، أي: الشُّحُّ، بالبُخلِ فبَخِلوا، أي: حَمَلهمُ الشُّحُّ على الحِرصِ على الأموالِ فمَنَعوا مِنها حَقَّ اللهِ تعالى، ففعَلوا خِلافَ ما أوجَبَه اللهُ عليهم، وأمَرَهم، أي: الشُّحُّ، بالقَطيعةِ، أي: قَطيعةِ أرحامِهم، فقَطَعوا، أي: حَمَلهم حُبُّ المالِ والحِرصُ عليه على مَنعِ الإحسانِ إلى أقارِبهم فأطاعوه، وأمَرَهم، أي: الشُّحُّ، بالفُجورِ ففَجَروا، أي: حَمَلهمُ الشُّحُّ على ارتِكابِ المَعاصي فعَصَوا اللهَ، وقيل: المَقصودُ بالفُجورِ الكَذِبُ، وأصلُ الفُجورِ المَيلُ والانحِرافُ عنِ الصِّدقِ، وقيل: هو الانبعاثُ في المَعاصي أوِ الزِّنا.
ويُمكِنُ أن يكونَ المُرادُ: أمَرَهم بالزِّنا فزَنَوا، وإنَّما كان الشُّحُّ سَبَبًا لذلك؛ لأنَّ في بَذلِ المالِ ومُواساةِ الإخوانِ التَّحابَّ والتَّواصُلَ، وفي الإمساكِ والشُّحِّ التَّهاجُرَ والتَّقاطُعَ، وذلك يُؤَدِّي إلى التَّشاجُرِ والتَّعادي مِن سَفكِ الدِّماءِ، واستِباحةِ المَحارِمِ مِنَ الفُروجِ والأعراضِ والأموالِ وغَيرِها؛ فالشُّحُّ مِن جَميعِ وُجوهِه يُخالفُ الإيمانَ.
وفي الحَديثِ ذَمُّ الشُّحِّ والتَّحذيرُ مِنه.
وفيه بَيانُ سَبَبٍ مِن أسبابِ هَلاكِ الأُمَمِ السَّابقةِ.
وفيه بَيانُ ما يَتَرَتَّبُ على الشُّحِّ مِنَ المَفاسِدِ .