ما غَبَطْتُ نَفْسي بمَجلِسٍ ساعةً كمَجلِسٍ جلَسْتُه إلى حُجْرةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنتَظِرُ لصلاةِ الصبْحِ، ورَهطٌ بناحيةٍ يَمتَرونَ في القُرآنِ، حتى علَتْ أصواتُهم: فخرَجَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُغضَبًا، فقال في طَرَفِ ثَوبِه على وَجهِه: يا أيُّها الناسُ، إنَّما هلَكَتِ الأُمَمُ قبلَكم على مِثلِ هذا، وإنَّما نزَلَ الكِتابُ يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ولم يَنزِلْ يُكذِّبُ بعضُه بعضًا، فما استَنَصَّ لكم منه فاعْرِفوه، وما اشتَبَه عليكم فرُدُّوا عِلمَه إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.

الدلالات الموضوعية:# فتن - كراهية الاختلاف# قرآن - الاختلاف والمراء في القرآن# صلاة - صلاة الصبح# مساجد ومواضع الصلاة - فضل انتظار الصلاة# قرآن - النهي عن اتباع متشابه القرآن والاختلاف فيه
المصدر: تخريج سير أعلام النبلاء
الراوي: عبدالله بن عمرو
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده حسن

الشرح والتوضيح

حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه مِنَ الفُرقةِ والاختِلافِ والتَّنازُعِ، وعن كُلِّ الوسائِلِ المُؤَدِّيةِ إلى ذلك، ومِنها أن يَفهَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ فَهمًا يُخالفُ النُّصوصَ الأُخرى ويَتَمَسَّكُ به؛ مِمَّا يُؤَدِّي ذلك إلى الانحِرافِ والاختِلافِ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رضِيَ اللهُ عنهما: ما غَبَطتُ، أي: حَسَدتُ نَفسي بمَجلِسٍ ساعةً كمَجلِسٍ جَلستُه إلى حُجرةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: ما استَحسَنتُ فِعلَ نَفسي حينَ بَكَّرتُ لهذا المَجلسِ عِندَ بَيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أنتَظِرُ لصَلاةِ الصُّبحِ، ورَهطٌ، أي: جَماعةٌ، والرَّهطُ مِنَ الرِّجالِ ما دونَ العَشرةِ، بناحيةٍ، أي: بطَرَفِ المَسجِدِ، يمترون، أي: يَتَنازَعونَ ويَختَلفونَ في القُرآنِ، أي: في آياتٍ مِنَ القُرآنِ؛ هذا يَأخُذُ بآيةٍ، والآخَرُ يَأخُذُ بآيةٍ تَخالِفُ صاحِبَه، حتَّى عَلَت أصواتُهم، أي: كان ذلك حالَهم في المِراءِ والمُنازَعةِ حتَّى ارتَفعَت أصواتُهم بسَبَبِ ذلك، فسَمِعَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فخَرَجَ إليهم مُغضَبًا، أي: وهو غَضبانُ مِن فِعلِهم ذلك، فقال في طَرَفِ ثَوبِه على وَجهِه، أي: أخَذَ طَرَفَ الثَّوبِ وغَطَّى به وَجهَه وقال: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما هَلكَتِ الأُمَمُ قَبلَكُم، أي: مِنَ الأُمَمِ السَّابقةِ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى وغَيرِهم على مِثلِ هذا، أي: بسَبَبِ فِعلِكُم هذا، وهو الاختِلافُ في الكِتابِ، والمُرادُ بهَلاكِ مَن قَبلَنا هنا هَلاكُهم في الدِّينِ بكُفرِهم وابتِداعِهم، فحَذَّرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مِثلِ فِعلِهم، وإنَّما نَزَل الكِتابُ، أي: القُرآنُ، يُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا، أي: يُؤَيِّدُ بَعضُه بَعضًا ويُؤَكِّدُه، ولم يَنزِلْ يُكَذِّبُ بَعضُه بَعضًا، أي: لم يَنزِلْ يُعارِضُ بَعضُه بَعضًا ويُخالفُه، فهذا ليسَ مِن مَقصودِ الهدايةِ الرَّبَّانيَّةِ، فما استنَصَّ لكُم مِنه، أي: ما كان نَصًّا واضِحًا صَريحًا، فاعرِفوه، أي: فتُعلَّموه وافهَموه والزَموا العَمَلَ به.

وما اشتَبَهَ عليكُم، أي: أشكَل عليكُم فَهمُ مَعناه، فرُدُّوا عِلمَه إلى اللهِ عَزَّ وجَل، أي: فكِلوا وفوِّضوا عِلمَ ذلك إلى اللهِ، ولا تَتَنازَعوا فيه وتَختَلِفوا.

وفي الحَديثِ الحِرصُ على عَدَمِ الجُلوسِ في مَجالِسِ المِراءِ والاختِلافِ.

وفيه وُقوعُ المُجادَلةِ في القُرآنِ مِنَ الصَّحابةِ.

وفيه غَضَبُ العالمِ على طُلَّابِه إذا وجَدَ مِنهم ما يُستَنكَرُ.

وفيه الغَضَبُ في المَوعِظةِ.

وفيه بَيانُ سَبَبٍ مِن أسبابِ هَلاكِ الأُمَمِ السَّابقةِ.

وفيه عَدَمُ وُجودِ الاختِلافِ في القُرآنِ.

وفيه أنَّ القُرآنَ فيه مُحكَمٌ ومُتَشابِهٌ.

وفيه بَيانُ الواجِبِ نَحوَ النُّصوصِ المُحكَمةِ والنُّصوصِ المُشتَبِهةِ .

أحاديث ذات صلة