وما أعجبك من ذلك كان عمر رضي الله عنه إذا دعا الأشياخ من أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعاني معهم فقال لا تتكلم حتى يتكلموا قال فدعانا ذات يوم أو ذات ليلة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في ليلة القدر ما قد علمتم فالتمسوها في العشر الأواخر وترا ففي أي الوتر ترونها
كان عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما مِن فُضَلاءِ الصَّحابةِ وخيارِهم، وكان قد أُوتيَ حَظًّا كَبيرًا مِنَ العِلمِ؛ فقد دَعا له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعَلِّمَه اللهُ التَّأويلَ، فرُزِقَ مِن ذلك عِلمًا كَثيرًا، ولذا سُمِّيَ بحَبرِ القُرآنِ وتُرجُمانِ القُرآنِ، وكان مَعَ صِغَرِ سِنِّه يُقدِّمُه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في المَجلِسِ لتَمَيُّزِه في العِلمِ، وفي المَجلسِ كِبارُ الصَّحابةِ مِنَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، فكَأنَّ بَعضَهم وَجَد في نَفسِه من تقديمِ عُمَرَ لابنِ عبَّاسٍ مَعَهم وهو فتًى صَغيرٌ، فأرادَ عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه أن يُريَهم سَبَبَ إحضارِ ابنِ عبَّاسٍ، وأنَّه مُتَمَيِّزٌ عليهم بالعِلمِ، فجَمع عُمَرُ القَومَ في إحدى المَرَّاتِ وسَألهم عن ليلةِ القَدْرِ، فيَحكي كُلَيبٌ وهو أحَدُ التَّابِعينَ، فيَقول: ذَكَرتُ لابنِ عبَّاسٍ أمرَ ليلةِ القَدْرِ، أي: مَتى تَكونُ؟ فقال له ابنُ عبَّاسٍ: وما أعجَبَك مِن ذلك؟ أي: ما الشَّيءُ الذي سَيُعجِبُك في ذلك؟ ثُمَّ شَرَعَ ابنُ عبَّاسٍ يُحَدِّثُ كُلَيبًا عن قِصَّتِه مَعَ عُمَرَ، فقال: كان عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه إذا دَعا الأشياخَ، أي: كِبارَ السِّنِّ وأهلَ الرَّأيِ والفَضلِ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعاني مَعَهم، أي: دَعا ابنَ عبَّاسٍ مَعَ هؤلاء الأشياخِ، فيَكونُ ابنُ عبَّاسٍ مَعَهم في المَجلسِ وهو أصغَرُهم.
ثُمَّ قال عُمَرُ لابنِ عبَّاسٍ: لا تَتَكَلَّمْ حتَّى يَتَكَلَّموا، أي: لا تَتَكَلَّمْ قَبلَ أن يَتَكَلَّمَ الأشياخُ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ دَعاهم ودَعا ابنَ عبَّاسٍ أيضًا، ذاتَ يَومٍ أو ذاتَ ليلةٍ، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، فقال عُمَرُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال في ليلةِ القَدْرِ ما قد عَلِمتُم، أي: قال في شَأنِ ما فيها مِنَ الفَضلِ العَظيمِ والحَثِّ على طَلَبِها، فالتَمِسوها، أي: اطلُبوها، في العَشرِ الأواخِرِ، أي: مِن شَهرِ رَمَضانَ، وِترًا، أي: في اللَّيالي الوِتريَّةِ، ففي أيِّ الوِترِ ترَونَها؟ أي: يَسألُهم عُمَرُ عن أيِّ ليلةٍ وِتريَّةٍ تَكونُ ليلةُ القَدْرِ.
وجاءَ في بَقيَّةِ الحَديثِ في رِوايةٍ أُخرى: أنَّ القَومَ أكثَروا الكَلامَ في تَعيينِ ليلةِ القَدْرِ.
ثُمَّ إنَّ عُمَرَ قال لابنِ عبَّاسٍ: ما لك لا تَتَكَلَّمُ يا ابنَ عبَّاسٍ؟! فقال ابنُ عبَّاسٍ: إن شِئتَ تَكَلَّمتُ.
فقال عُمَرُ: ما دَعَوتُك إلَّا لتَتَكَلَّمَ.
فقال ابنُ عبَّاسٍ: رَأيتُ اللهَ أكثَرَ مِن ذِكرِ السَّبعِ؛ فذَكَرَ السَّمَواتِ سَبعًا، والأرَضينَ سَبعًا، والطَّوافَ سَبعًا، والجِمارَ سَبعًا، وذَكَرَ ما شاءَ اللهُ مِن ذلك.
ومَقصودُه رَضِيَ اللهُ عنه أن يُبيِّنَ أنَّ ليلةَ القَدْرِ هيَ ليلةُ سَبعٍ وعِشرينَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ امتِحانِ الإمامِ لجُلسائِه ومُناقَشَتِهم في أمرِ العِلمِ.
وفيه بَيانُ الاختِلافِ في أمرِ تَعيينِ ليلةِ القَدْرِ مِن أيَّامِ الصَّحابةِ.
وفيه تَقديمُ الإمامِ لأهلِ العِلمِ في مَجلِسِه وإن كانوا صِغارًا.
وفيه أدَبُ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما في مَجلسِ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه.
وفيه أنَّ ليلةَ القَدْرِ تَكونُ في إحدى اللَّيالي الوِتريَّةِ .