جاءَتِ الحُمَّى إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم فقالَتِ: ابعَثْني إلى آثَرِ أهلِكَ عندَكَ، فبعَثها إلى الأنصارِ, فبقِيَتْ عليهم ستَّةَ أيَّامٍ ولياليَهنَّ, فاشتَدَّ ذلكَ عليهم, فأتاهم في ديارِهم، فشكَوْا ذلكَ إليه، فجعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم يدخُلُ دارًا دارًا وبيتًا بيتًا يدعو له بالعافيةِ، فلمَّا رجَع تبِعَتْه امرأةٌ منهم فقالَتْ: والَّذي بعَثكَ بالحقِّ، إنِّي لَمِن الأنصارِ، وإنَّ أبي لَمِن الأنصارِ؛ فادْعُ اللهَ لي كما دعَوْتَ للأنصارِ، قال: ما شِئْتِ، إن شِئْتِ دعَوْتُ اللهَ أن يُعافِيَكِ، وإن شِئْتِ صبَرْتِ ولكِ الجنَّةُ، قالَتْ: بل أصبِرُ ولا أجعَلُ الجنَّةَ خطَرًا.
أخرجه البخارى في ((الأدب المفرد)) (502)، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (3/364)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (9969)
الدُّنيا دارُ بلاءٍ وامتِحانٍ، يَتَعَرَّضُ المَرءُ المُسلِمُ فيها للمَصائِبِ والأمراضِ، ولكِن من رَحمةِ اللهِ تعالى أن جَعَل كُلَّ ما يُصيبُ المُسلمَ في الدُّنيا له فيه أجرٌ وكَفَّارةٌ؛ ولهذا يَنبَغي على المُسلمِ أن يَصبرَ ويَحتَسِبَ على ما يُصيبُه من هذه الأمراضِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: جاءَتِ الحُمَّى، أي: مَرَضُ الحُمَّى، إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت: ابعَثْني، أي: أرسِلْني إلى آثَرِ أهلِك عِندَك، أي: أحَبِّ أهلِك عِندَك ومَن تُؤثِرُهم وتُقدِّمُهم على نَفسِك.
فبَعَثَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى الأنصارِ، فبَقيَت، أي: الحُمَّى عليهم سِتَّةَ أيَّامٍ ولَياليَهنَّ، أي: أخَذَتهمُ الحُمَّى هذه المُدَّةَ، فاشتَدَّ ذلك عليهم، أي: اشتَدَّ عليهم ألَمُ الحُمَّى، فأتاهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَزورُهم في ديارِهم، أي: مَساكِنِهم، فشَكَوا ذلك إليه، أي: شكى الأنصارُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَجِدونَه مِن ألَمِ الحُمَّى.
فجَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدخُلُ دارًا دارًا وبَيتًا بَيتًا، أي: مِن بُيوتِ الأنصارِ، ويَدعو له بالعافيةِ، أي: يَدعو لأصحابِ ذلك البَيتِ الذي يَدخُلُ عِندَهم بالعافيةِ، أي: السَّلامةِ مِنَ الحُمَّى.
ولمَّا رَجَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عِندِ الأنصارِ تَبعَته امرَأةٌ مِنهم، أي: لَحِقَته، فقالت له: والذي بَعَثَك بالحَقِّ، إنِّي لمنَ الأنصارِ، وإنَّ أبي لمنَ الأنصارِ؛ فادعُ اللَّهَ لي كما دَعَوتَ للأنصارِ، أي: لَعَلَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَزُرْها ويَدخُلْ عِندَها، ولهذا لَحِقَته وطَلَبَت مِنه الدُّعاءَ لَها بالعافيةِ مِنَ الحُمَّى كما دَعا للأنصارِ.
فقال لَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما شِئتِ، أي: لكِ ما شِئتِ وما تَختارينَه مِن أحَدِ أمرَينِ: إن شِئتِ دَعَوتُ اللَّهَ أن يُعافيَك، أي: يُسَلِّمَك مِنَ الحُمَّى ويُبعِدَها مِنك، وإن شِئتِ صَبَرتِ، أي: على الحُمَّى وترَكتِ الشِّكايةَ مِنها، ولَك الجَنَّةُ، أي: ويَكونُ جَزاؤُك الجَنَّةَ.
فقالتِ المَرأةُ: بَل أصبرُ ولا أجعَلُ الجَنَّةَ خَطَرًا، أي: سَوف أصبرُ ولا أُخاطِرُ بالجَنَّةِ شَيئًا مِنَ الدُّنيا، أي: لا تُقدِّمُ الدُّعاءَ بالعافيةِ مِنَ الحُمَّى على الجَنَّةِ.
وفي الحَديثِ فَضلُ الأنصارِ ومَكانتُهم عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه زيارةُ كَبيرِ القَومِ لأصحابِه.
وفيه مَشروعيَّةُ الشِّكايةِ للإمامِ أو كَبيرِ القَومِ.
وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ الدُّعاءِ مِنَ الصَّالحينَ.
وفيه مَشروعيَّةُ القَسَمِ بقَولِ: والذي بَعَثَك بالحَقِّ.
وفيه فضلُ الصَّبرِ على المَرَضِ.
وفيه أنَّ مَن صَبَرَ على الآلامِ في الدُّنيا عَوَّضَه اللهُ بذلك الجَنَّةَ في الآخِرةِ.
وفيه فضلُ هذه المَرأةِ الأنصاريَّةِ .
الأدب المفرد - ت عبد الباقي (ص177) :
502 - حدثنا قرة بن حبيب قال: حدثنا إياس بن أبي تميمة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة قال: جاءت الحمى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابعثني إلى آثر أهلك عندك، فبعثها إلى الأنصار، فبقيت عليهم ستة أيام ولياليهن، فاشتد ذلك عليهم، فأتاهم في ديارهم، فشكوا ذلك إليه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل دارا دارا، وبيتا بيتا، يدعو لهم بالعافية، فلما رجع تبعته امرأة منهم فقالت: والذي بعثك بالحق إني لمن الأنصار، وإن أبي لمن الأنصار، فادع الله لي كما دعوت للأنصار، قال: ما شئت، إن شئت دعوت الله أن يعافيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة ، قالت: بل أصبر، ولا أجعل الجنة خطرا
[المعرفة والتاريخ - ت العمري - ط العراق] (3/ 364) :
أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا ابن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أبو علي قرة بن حبيب القشيري صاحب الفنا حدثنا اياس بن أبي تميمة أبو مخلد أخبرنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ابعثني الى آثر أهلك عندك، فبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار فغبت عليهم سبعة أيام ولياليهن حتى اشتد ذلك عليهم فشكوا ذلك اليه، فأتاهم في ديارهم فجعل يدخل دارا دارا وبيتا بيتا يدعو لهم بالعافية، فلما رجع تبعته امرأة منهم فقالت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ان أبي لمن الأنصار، وان أمي لمن الأنصار، فادع الله لي كما دعوت لأصحابي، فقال: ما شئت، ان شئت دعوت الله لك فعافاك، وان شئت صبرت ثلاثا ولك الجنة.
قالت: يا رسول الله بل أصبر ثلاثا وثلاثا مع ثلاث، ولا أجعل للجنة خطرا.
فقال أبو هريرة: ما من مرض يصيبني أحب الي من الحمى، انها تدخل في كل عضو مني، وان الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر .
وقال يعقوب: سمعت سليمان بن حرب يذكر عن بعض مشيخته قال: رأيت قيس بن سعد قد ترك مجالسة عطاء قال: فسألته عن ذلك؟ قال: انه نسي أو تغير فكدت ان أفسد سماعي منه
شعب الإيمان (7/ 194 ت زغلول) :
9969 - أخبرنا أبو علي الحسن بن إبراهيم بن شاذان البغدادي بها أنا عبد الله بن جعفر النحوي نا يعقوب بن سفيان نا أبو علي قرة بن حبيب صاحب القشيري القنا نا إياس بن أبي تميم أبو مخلد نا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إبعثني إلى آثر أهلك عندك فبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار فغبت عليهم سبعة أيام ولياليهن حتى اشتد ذلك عليهم فشكوا ذلك إليه فأتاهم في ديارهم فجعل يدخل دارا دارا وبيتا بيتا يدعو لهم بالعافية فلما رجع تبعته امرأة منهم.
فقالت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق أن أبي لمن الأنصار وأن أمي لمن الأنصار فادع الله لي كما دعوت لأصحابي.
فقال: ما شئت إن شئت دعوت الله لك فعافاك وإن شئت صبرت ثلاثا ولك الجنة فقالت: يا رسول الله بل أصبر ثلاثا وثلاثا مع ثلاث ولا أجعل للجنة خطرا وقال أبو هريرة: ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى إنها تدخل في كل عضو مني وإن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر.