حديثُ الشَّفاعةِ قال : فيأتون آدمَ وذكر الحديثَ وقال : فيقولُ آدمُ إنَّ ربِّي قد غضِب اليومَ غضبًا لم يغضَبْ قبلَه مثلَه ، ولن يغضبَ بعده مثلَه ، وإنَّه أمرني بأمرٍ فعصيْتُه فأخافُ أن يطرحَني في النَّارِ ، انطلِقوا إلى غيري ، نفسي نفسي وذكر في نوحٍ وإبراهيمَ وموسَى وعيسَى مثلَ ذلك كلُّهم يقولُ : إنِّي أخافُ أن يطرحَني في النَّارِ
أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194)، والترمذي (2434) بلفظه.
تُعطى الشمسُ يومَ القيامةِ حرَّ عشرِ سنينَ ، ثُمَّ تُدْنَى من جماجِمِ الناسِ حتى يكونَ قابَ قوسَيْنِ ، فيعرَقونَ حتى يرسخَ العرقُ في الأرضِ قامَةً ، ثُمَّ يرتفعُ الرجلُ حتى يعرقَ الرجلُ - قال سلمانُ : حتى يقولَ الرجلُ : غَقْ ، غَقْ - ، فإذا رأَوا ما هم فيه قال بعضُهم لبعضٍ : ألَا تَرَوْنَ ما أنتم فيه ؟ ائتوا أباكم آدمَ عليه السلام فلْيَشْفَعْ لكم إلى ربِّكُمْ جلَّ وعزَّ ، فيأتونَ آدمَ فيقولونَ : يا أبانا أنتَ الذي خلقَكَ اللهُ بيدِهِ ، ونفخ فيكَ من روحِهِ ، وأسكنكَ جنتَهُ ، قم فاشفَعْ لنا إلى ربِّنا ، فقدْ ترى ما نحنُ فيه ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفَعْلَةُ ؟ فيقولوا : إلى مَنْ تأمُرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا عبدًا شاكِرًا ، فيأتونَ نوحًا عليه السلامُ ، فيقولونَ : يا نبيَّ اللهِ أنتَ الذي جعلَكَ اللهُ شاكرًا ، وقد ترى ما نحْنُ فيه ، فقم فاشفَعْ لنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : لستُ هناكم ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفعلَةُ ؟ فيقولونُ : إلى من تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولونَ : يا خليلَ الرحمنِ قدْ ترى ما نحْنُ فيه ، فاشفعْ لنا إلى ربِّنَا ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفَعلَةُ ؟ فيقولونَ : إلى مَنْ تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا موسى عبدًا اصطفاهُ اللهُ بِرسالاتِهِ وبكلامِهِ ، فيأتونَ موسى عليه السلامُ ، فيقولونَ : قدْ تَرَى ما نحنُ فيه ، اشفَعْ لنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفعلَةُ ؟ فيقولونَ : فإلى مَنْ تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا كلِمَةَ اللهِ وروحَهُ عيسى ، فيقولونَ : يا كلِمَةَ اللهِ ، وروحَهُ ، قد تَرَى ما نحنُ فيه ، فاشفعْ لنا إلى ربِّكَ ، فيقولُ : لستُ هناكَ ، ولستُ بذاكَ ، فأينَ الفَعلَةَ ؟ فيقولونَ : فإلى مَنْ تأمرُنا ؟ فيقولُ : ائتوا عبدًا فتح اللهُ به ، وختَمَ ، وغفر له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّرَ ، ويَجيءُ في هذا اليومِ آمنًا محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ .
فيأتون النبيَّ ، فيقولون : يا نبيَّ اللهِ أنتَ الذي فتح اللهُ بكَ ، وغفر لكَ ما تقدمَ من ذنبِكَ وما تأَخَّرَ ، وجئْتَ في هذا اليوم آمنًا ، وقد تَرَى إلى ما نحنُ فيه ، فاشفعْ لنا إلى ربِّنا ، فيقولُ : أنا صاحبُكُم ، فيخرُجُ يحوشُ الناسَ ، حتى ينتهِيَ إلى بابِ الجنةِ ، فيأخُذُ بحلقَةِ البابِ من ذَهَبٍ ، فيقرَعُ البابَ ، فيقالُ : من هذا ؟ فيقالُ : محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، قال : فيفتحُ اللهُ له ، قال : فيجيءُ حتى يقومَ بينَ يَدَيِ اللهِ ، فيستأذِنُ في السجودِ ، فيؤذَنُ ، فيسجُدُ ، فينادِى : يا محمدُ ! ارفعْ رأسكَ ، سلْ تُعْطَهْ ، اشفعْ تُشَفَّعْ ، وادعُ تُجَبْ ، قال : فيفتَحُ اللهُ عليه من الثناءِ عليه والتحميدِ والتمجيدِ ما لم يُفْتَحْ لأحدٍ من الخلائقِ ، قال : فيقولُ : أيْ ربِّ أمَّتي أمَّتِي أمَّتِي ، ثُمَّ يَستأذِنُ في السجودِ ، فيؤذَنُ له ، فيسجدُ ، فيفتَحُ اللهُ عليه من الثناءِ عليه والتحميدِ والتمجيدِ شيئًا لم يُفْتَحْ لأحدٍ من الخلائقِ ، وينادى : يا محمدُ ! ارفعْ رأسَكَ ، سلْ تعطهْ ، واشفعْ تُشَفَّعْ ، وادعُ تُجَبْ ، فيرفعُ رأسَه فيقولُ : ربِّ أُمَّتِي أمَّتِي ( مرتينِ أوْ ثلاثًا ) .
الراوي : سلمان الفارسي المحدث : الألباني المصدر : تخريج كتاب السنة الصفحة أو الرقم: 813 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح على شرط الشيخين التخريج : أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (11/447)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (813) واللفظ له، والطبراني (6/248) (6117) لقيامِ السَّاعةِ أهوالٌ شَديدةٌ، وأحداثٌ جَسيمةٌ ذَكَرَها اللهُ تَعالى في القُرآنِ الكَريمِ، وذَكَرَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سُنَّتِه، ومِمَّا جاءَ مِن أهوالِ يَومِ القيامةِ أنَّ الشَّمسَ تَدنو مِنَ الأرضِ، وهذا مِنَ الخَوارِقِ الواقِعةِ يَومَ القيامةِ، حَتَّى يَعرَقَ النَّاسُ عَرَقًا شَديدًا مِن شِدَّةِ قُربِ الشَّمسِ مِنَ الأرضِ، ويَذهَبونَ يَطلُبونَ مِنَ الأنبياءِ فيمَن يَشفعُ لَهم مِن هَولِ ذلك المَوقِفِ وكُلُّ الأنبياءِ يَعتَذِرونَ حَتَّى يَأتوا إلى نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَشفَعُ فيهم، ففي الحَديثِ: أنَّ الشَّمسَ تُعطى يَومَ القيامةِ حَرَّ عَشرِ سِنينَ، أي: مِقدارَ حَرِّ عَشرِ سَنَواتٍ، ثُمَّ تُدنى مِن جَماجِمِ، أي: رؤوسِ، النَّاسِ حَتَّى يَكونَ قابَ قَوسَينِ، أي: بقَدرِهما، فالقابُ القَدرُ، والقَوسانِ الذِّراعانِ، أي: أنَّ الشَّمسَ تَكونُ قَدْرَ ذِراعَينِ في القُربِ، فيَعرَقُ النَّاسُ حَتَّى يَرسَخَ العَرَقُ في الأرضِ قامةً، أي: يَثبُتَ في الأرضِ بقَدرِ قامةِ الرَّجُلِ وطولِه وقَدِّه، ثُمَّ يَرتَفِعُ الرَّجُلُ حَتَّى يَعرَقَ الرَّجُلُ، قال سَلمانُ: حَتَّى يَقولَ الرَّجُلُ: غَقْ، غَقْ، أي: أنَّ العَرَقَ يَرتَفِعُ عنِ الأرضِ حَتَّى يَقولَ الرَّجُلُ: غَقْ.
وهو حِكايةٌ عن صَوتِ الغَلَيانِ.
حَتَّى إنَّهم إذا رَأوا ما هم فيه، أي: مِن تلك الشِّدَّةِ والأهوالِ قال بَعضُهم لبَعضٍ، أي: يَقولُ بَعضُ النَّاسِ لبَعضِهمُ الآخَرِ: ألَا تَرَونَ ما أنتُم فيه؟ أي: مِنَ الشِّدَّةِ والحالِ والكربِ.
فائتوا أباكُم آدَمَ عليه السَّلامُ فليَشفَعْ لَكُم إلى رَبِّكُم جَلَّ وعَزَّ، أي: هَلُمَّ بنا نَذهَبْ إلى أبينا آدَمَ حَتَّى يَشفَعَ لَنا مِن هذا الكَربِ.
فيَأتونَ آدَمَ فيَقولونَ: يا أبانا، أنتَ الذي خَلَقَك اللهُ بيَدِه، ونَفخَ فيك مِن روحِه، وأسكَنَك جَنَّتَه، قُمْ فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّنا، أي: يَطلُبونَ مِنه بما خَصَّه اللهُ به مِنَ الخَصائِصِ أن يَشفَعَ لَهم؛ فقد تَرى ما نَحنُ فيه، أي: مِن هذا الهَولِ والكَربِ.
فيَقولُ آدَمُ: لَستُ هناكَ، ولَستُ بذاكَ! أي: لَستُ بذاكَ الذي يَشفَعُ لَكُم، فأينَ الفَعلةُ؟ أي -واللهُ أعلَمُ- كَيف أشفعُ لَكُم وقد فعَلتُ فَعلةً عَظيمةً؛ حَيثُ أكَلتُ مِنَ الشَّجَرةِ.
فيَقولونَ له: إلى مَن تَأمُرُنا؟ أي: إلى مَن نَذهَبُ إذَنْ.
فيَقولُ: ائتوا عَبدًا شاكِرًا، فيَأتونَ نوحًا عليه السَّلامُ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ تَعالى قال في نوحٍ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3] ، فيَذهَبونَ إلى نوحٍ، فيَقولونَ له: يا نَبيَّ اللهِ، أنتَ الذي جَعَلَك اللهُ شاكِرًا، وقد تَرى ما نَحنُ فيه، فقُمْ فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّك، أي: يَطلُبونَ مِنه أن يَشفَعَ لَهم بما خَصَّه اللهُ بكَونِه عَبدًا شَكورًا.
فيَقولُ نوحٌ: لَست هناكُم، ولَستُ بذاكَ، أي: لَستُ بذاكَ الذي يَشفَعُ لَكُم.
فأينَ الفَعلةُ؟ أي -واللهُ أعلَمُ- كَيف أشفَعُ لَكُم وقد فعَلتُ فَعلةً، وهو كَونُه دَعا على قَومِه.
فيَقولونَ له: إلى مَن تَأمُرُنا؟ فيَقولُ نوحٌ: ائتوا إبراهيمَ خَليلَ الرَّحمَنِ، أي: اذهَبوا إلى إبراهيمَ؛ فإنَّه خَليلُ الرَّحمَنِ، كما قال تَعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ، والخُلَّةُ أعلى دَرَجاتِ المَحَبَّةِ، فيَذهَبونَ حَتَّى يَأتوا إلى إبراهيمَ عليه السَّلامُ، فيَقولونَ له: يا خَليلَ الرَّحمَنِ، قد تَرى ما نَحنُ فيه، أي: مِن هذا الهَولِ والكَربِ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّنا.
فيَقولُ: لَستُ هناكَ، ولَستُ بذاكَ، أي: لَستُ بذاكَ الذي يَشفعُ لَكُم، فأينَ الفَعلةُ؟ أي -واللهُ أعلَمُ- كَيف أشفَعُ لَكُم وقد فعَلتُ فَعلةً؛ حَيثُ كَذَبَ ثَلاثَ كَذَباتٍ، فيَقولونَ له: إلى مَن تَأمُرُنا؟ فيَقولُ: ائتوا موسى عَبدًا اصطَفاه اللهُ برِسالاتِه وبكَلامِه، أي: اذهَبوا إلى موسى فقدِ اصطَفاه اللهُ بالرِّسالةِ وبكَلامِه له، كما قال تَعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف: 144] ، فيَذهَبونَ حَتَّى يَأتوا إلى موسى عليه السَّلامُ، فيَقولونَ له: قد تَرى ما نَحنُ فيه، أي: مِن هذا الهَولِ والكَربِ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّك.
فيَقولُ: لَستُ هناكَ، ولَستُ بذاكَ، أي: لَستُ بذاكَ الذي يَشفعُ لَكُم، فأينَ الفَعلةُ؟ أي -واللهُ أعلَمُ- كَيف أشفَعُ لَكُم وقد فعَلتُ فَعلةً؛ حيثُ قَتَلتُ نَفسًا بدونِ ذَنبٍ.
فيَقولونَ له: فإلى مَن تَأمُرُنا؟ فيَقولُ: ائتوا كَلِمةَ اللهِ ورُوحَه عيسى، أي: عليكُم بعيسى؛ فهو كَلِمةُ اللهِ وروحُه، كما قال تَعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] ، {وَكَلِمَتُهُ} هيَ قَولُه "كُن" فكان بَشَرًا مِن غَيرِ أبٍ، {وَرُوحٌ مِنه} قيلَ: هو رُوحٌ كَسائِرِ الأرواحِ إلَّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أضافه إلى نَفسِه تَشريفًا.
وقيلَ: الرُّوحُ هو النَّفخُ الذي نَفخَه جِبريلُ عليه السَّلامُ في دِرعِ مَريَم فحَمَلَته بإذنِ اللهِ تَعالى، سُمِّيَ النَّفخُ رُوحًا لأنَّه ريحٌ يَخرُجُ مِنَ الرُّوحِ، وأضافه إلى نَفسِه لأنَّه كان بأمرِه.
وقيلَ: "روحٌ مِنه" أي: ورَحمةٌ، فكان عيسى عليه السَّلامُ رَحمةً لمَن تَبعَه وآمَنَ به.
وقيلَ: الرُّوحُ: الوَحيُ، أوحى إلى مَريَمَ بالبشارةِ، وإلى جِبريلَ عليه السَّلامُ بالنَّفخِ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان، فيَذهَبونَ حَتَّى يَأتوا عيسى، فيَقولونَ له: يا كَلمةَ اللهِ ورُوحَه، قد تَرى ما نَحنُ فيه، أي: مِن هذا الهَولِ والكَربِ، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّك، فيَقولُ: لَستُ هناكَ، ولَستُ بذاكَ، أي: لَستُ بذاكَ الذي يَشفعُ لَكُم، فأينَ الفَعلةُ؟ أي -واللهُ أعلَمُ- كَيف أشفَعُ لَكُم وقد فعَلتُ فَعلةً، ولَكِن لَم يَأتِ في الرِّواياتِ الأُخرى أنَّ عيسى يَذكُرُ ذَنبًا.
فيَقولونَ له: فإلى مَن تَأمُرُنا؟ فيَقولُ: ائتوا عَبدًا فتَحَ اللهُ به وخَتَمَ، وغَفرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه وما تَأخَّرَ، ويَجيءُ في هذا اليَومِ آمِنًا مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فيَأتونَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولونَ: يا نَبيَّ اللهِ أنتَ الذي فتَحَ اللهُ بك، وغَفرَ لَك ما تَقدَّم مِن ذَنبك وما تَأخَّرَ، وجِئتَ في هذا اليَومِ آمِنًا، وقد تَرى إلى ما نَحنُ فيه، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّنا، فيَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنا صاحِبُكُم، أي: أنا الذي أشفعُ لَكُم، فيَخرُجُ يَحوشُ النَّاسَ، أي: يَجمَعُهم حَتَّى يَنتَهيَ إلى بابِ الجَنَّةِ، فيَأخُذُ بحَلقةِ البابِ مِن ذَهَبٍ، فيَقرَعُ، أي: يَدُقُّ البابَ، فيُقالُ: مَن هذا؟ أي: مَنِ الذي يَدُقُّ.
فيَقولُ: مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فيَفتَحُ اللهُ له.
ثُمَّ يَجيءُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى يَقومَ بَينَ يَدَيِ اللهِ، أي: أمامَه سُبحانَه وتَعالى، فيَستَأذِنُ في السُّجودِ، أي: يَستَأذِنُ مِنَ اللهِ أن يَسجُدَ له، فيُؤذَنُ، أي: يَأذَنُ اللهُ له أن يَسجُدَ فيَسجُدُ.
ويُطيلُ السُّجودَ كما في بَعضِ الرِّواياتِ، ثُمَّ يُنادي مُنادٍ: يا مُحَمَّد، ارفَعْ رَأسَك، سَلْ تُعطَه، أي: اطلُبْ ما تُريدُ فسَوف تُعطى طَلَبَك وسُؤالَك، اشفَعْ تُشَفَّعْ، أي: اشفَعْ لمَن شِئتَ تُقبَلْ شَفاعَتُك، وادعُ تُجَبْ، أي: يَستَجِبِ اللهُ دَعَوتَك.
فيَفتَحُ اللهُ على نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الثَّناءِ عليه والتَّحميدِ والتَّمجيدِ ما لَم يَفتَحْ لأحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ.
وهذا مِمَّا اختَصَّ اللهُ به نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ثَنائِه على رَبِّه وتَحميدِه: أي رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي أُمَّتي! أي: يا رَبِّ، أسألُك أن تُشَفِّعَني في أُمَّتي، ثُمَّ يَستَأذِنُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السُّجودِ، فيُؤذَنُ له مَرَّةً أُخرى، فيَسجُدُ، فيَفتَحُ اللهُ عليه مِنَ الثَّناءِ عليه والتَّحميدِ والتَّمجيدِ شَيئًا لَم يُفتَحْ لأحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ، ويُنادى: يا مُحَمَّدُ، ارفَعْ رَأسَك، وسَلْ تُعطَه، واشفَعْ تَشفَّعْ، وادعُ تُجَبْ، فيَرفعُ رَأسَه فيَقولُ: رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، أي: يَتَكَرَّرُ مِنه هذا الفِعلُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّتَينِ أو ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وفي الحَديثِ بَيانُ شِدَّةِ هَولِ يَومِ القيامةِ.
وفيه إثباتُ الشَّفاعةِ العُظمى لنَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فضلُ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على بَقيَّةِ الأنبياءِ.
وفيه شَفقةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَحمَتُه بأُمَّتِه .
[صحيح البخاري] (6/ 84) :
4712 - حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله: أخبرنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرهن أبو حيان في الحديث، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون محمدا – صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير، أو: كما بين مكة وبصرى.
[صحيح مسلم] (1/ 127) :
327 - (194) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، واتفقا في سياق الحديث إلا ما يزيد أحدهما من الحرف بعد الحرف، قالا: حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا أبو حيان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر - أو كما بين مكة وبصرى .
-
[سنن الترمذي] (4/ 622) :
2434 - حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة ، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع فأكله وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذاك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس منهم فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون.
فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول الناس بعضهم لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كان لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كذبت ثلاث كذبات - فذكرهن أبو حيان في الحديث - نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على البشر اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد، قال: فيأتون محمدا فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأخر ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي يا رب أمتي، يا رب أمتي، فيقول: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب "، ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر وكما بين مكة وبصرى وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبي سعيد: " هذا حديث حسن صحيح، وأبو حيان التيمي اسمه: يحيى بن سعيد بن حيان كوفي وهو ثقة، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير اسمه: هرم "