يُوشِكُ أن تطلبُوا في قُراكم هذه طستًا من ماءٍ فلا تجدونَه ، ينزوي كلُّ ماءٍ إلى عنصرِه ؛ فيكونُ في الشامِ بقيةُ المؤمنين والماءِ
أخرجه الحاكم في ((المستدرك على الصحيحين)) (8749)، واللفظ له.
سَمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه يَقولُ: إنَّ أوَّلَ ما تَفقِدون مِن دِينِكم الأمانةُ، وآخِرَ ما يَبْقى الصَّلاةَ، وإنَّ هذا القرآنَ الَّذي بيْن أظْهُرِكم يُوشِكُ أنْ يُرفَعَ، قالوا: وكيْف يُرفَعُ وقدْ أثْبَتَه اللهُ في قُلوبِنا وأثْبَتْناه في مَصاحفِنا؟ قال: يُسْرى عليه لَيلةً، فيَذهَبُ ما في قُلوبِكم وما في مَصاحفِكم، ثمَّ قَرَأ: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] قال سُفيانُ: وحدَّثَني المسْعوديُّ، عن القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، قال: قال عبدُ اللهِ: يُوشِكُ أنْ تَطْلُبوا في قُراكُم هذه طَسْتًا مِن ماءٍ، فلا تَجِدونه؛ يَنْزوي كلُّ ماءٍ إلى عُنصرِه، فيكونُ في الشَّامِ بقيَّةُ المُؤمنينَ والماءُ.
الراوي : شداد بن معقل المحدث : الحاكم المصدر : المستدرك على الصحيحين الصفحة أو الرقم: 8762 خلاصة حكم المحدث : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ بأنَّه لا تَقومُ السَّاعةُ حَتَّى تَقَعَ أحداثٌ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَكونُ في ذلك الوقتِ الإيمانُ ضَعيفًا في قُلوبِ النَّاسِ ويَفقِدونَ كَثيرًا مِن أُمورِ الدِّينِ التي كانوا مُتَمَسِّكينَ بها، ومِن ذلك ما أخبَرَ به عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ حَيثُ قال: إنَّ أوَّلَ ما تَفقِدونَ، أي: يَضيعُ مِنكُم مِن دينِكُمُ الأمانةُ، وهيَ ما يُؤتَمَنُ عليه الإنسانُ مِن ودائِعِ الآخَرينَ، تَكونُ عِندَه ليَحفَظَها، فتَضيعُ الأمانةُ وتَكثُرُ الخيانةُ، فلا يَكادُ يَجِدُ النَّاسُ رَجُلًا أمينًا يَثِقونَ فيه يَضَعونَ عِندَه أموالَهم ونَحوَها، وقد جاءَ في صِفةِ فقدِ الأمانةِ ورَفعِها أن يَنامَ الإنسانُ فتُقبَضُ مِن قَلبِه.
وآخِرُ ما يَبقى الصَّلاةُ، أي: يَضيعُ كَثيرٌ مِن خِصالِ الدِّينِ، وتَبقى الصَّلاةُ آخِرَ شَيءٍ.
وإنَّ هذا القُرآنَ الذي بَين أظهُرِكُم، أي: مَوجودٌ بَينَكُمُ الآنَ، يوشِكُ، أي: يَقرُبُ، أن يُرفَعَ، أي: يُرفَعَ مِنَ المَصاحِفِ والصُّدورِ، فلا يَبقى مِنه آيةٌ! فقال الحاضِرونَ عِندَ ابنِ مَسعودٍ: وكَيف يُرفَعُ وقد أثبتَه اللَّهُ في قُلوبِنا وأثبَتناه في مَصاحِفِنا؟ أي: استَغرَبوا كيف يُرفَعُ هذا القُرآنُ وقد حَفِظَه اللهُ في قُلوبِنا واستَوثَقنا مِن حِفظِه فأصبَحَ ثابتًا، وكَذلك كَتَبناه في المَصاحِفِ، فكَيف يُرفَعُ ذلك؟! فبَيَّنَ لَهمُ ابنُ مَسعودٍ كيف يُرفَعُ، فقال: يُسرى عليه لَيلةً.
والسُّرى: السَّيرُ عامَّةَ اللَّيلِ أي: يُؤتى عليه في اللَّيلِ فيَذهَبُ ما في قُلوبِكُم وما في مَصاحِفِكُم! أي: يَأخُذُ ما هو مَحفوظٌ في صُدورِكُم وما هو مَكتوبٌ في مَصاحِفِكُم، وتَقومونَ في الصَّباحِ والقُرآنُ قد رُفِعَ! ثُمَّ قَرَأ ابنُ مَسعودٍ مِصداقَ ذلك قَولَه تعالى: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] ، أي: لَو أرَدنا أن نَذهَبَ بما أوحَيناه إليك مِن هذا القُرآنِ لفَعَلْنا.
ثُمَّ يَقولُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: يوشِكُ، أي: يَقرُبُ، أن تَطلُبوا، أي: تَبحَثوا، في قُراكُم هذه، أي: بُلدانِكمُ التي أنتُم فيها، طَستًا، وهو إناءٌ كَبيرٌ مُستَديرٌ مِن نُحاسٍ أو نَحوِه يُغسَلُ فيه.
مِن ماءٍ، فلا تَجِدونَه، أي: لا تَجِدونَ حَتَّى القَليلَ مِنَ الماءِ في قُراكُمُ التي فيها الأنهارُ الكَبيرةُ! وقد جاءَ في رِوايةٍ أُخرى موضِّحةٍ سَبَبَ قَولِ ابنِ مَسعودٍ لذلك، وهو أنَّ نَهرَ الفُراتِ ازدادَتِ المياهُ فيه، فكَرِه النَّاسُ ذلك، فقال لَهمُ ابنُ مَسعودٍ: لا تَكرَهوا ذلك؛ فسَيَأتي يَومٌ، يَنزَوي، أي: يُجمَعُ ويُقبَضُ ويَنضَمُّ، كُلُّ ماءٍ إلى عُنصُرِه، أي: إلى أصلِه ومَكانِه، فيَكونُ في الشَّامِ.
وبلادُ الشَّامِ في هذا الزَّمَنِ تشمَلُ دَولةَ الأُردُنِّ وفِلَسطينَ وسوريا ولُبنانَ.
والمَعنى: أنَّ الماءَ يُقبَضُ ويُجمَعُ مِن جَميعِ البُلدانِ، فلا يُصبحُ فيها ماءٌ، وتَذهَبُ جَميعُ المياهِ إلى الشَّامِ، بَقيَّةُ المُؤمِنينَ والماءِ، أي: أنَّ الشَّامَ سَوف تَكونُ مَأوى المُؤمِنينَ ومَوطِنَهم، وحَتَّى الماءُ يَرجِعُ إلى هناكَ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أوَّلِ ما يُفقَدُ مِن هذا الدِّينِ وآخِرِه.
وفيه بَيانُ أنَّ القُرآنَ يُرفعُ مِنَ الصُّدورِ والمَصاحِفِ في آخِرِ الزَّمانِ.
وفيه فضلُ الشَّامِ .