لقد نزلَت عليَّ الليلةَ آياتٌ ويلٌ لمن قرأها و لم يتفكَّرْ فيها : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ " الآية

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم# خلق - خلق السموات والأرض وما فيهما# تفسير آيات - سورة آل عمران# رقائق وزهد - الأمر بالتفكر في آيات الله عز وجل وقدرته وملكه وسلطانه وعظمته
المصدر: السلسلة الصحيحة
الراوي: عائشة أم المؤمنين
المحدث: الألباني
الحكم:إسناده جيد

بيانات التخريج:

أخرجه ابن حبان (7297) واللفظ له تاما، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (4618)، وأبي الشيخ (544) كلاهما بنحوه تاما.

الشرح والتوضيح

دخلتُ أَنا وعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ على عائشةَ فقالت لعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ : قد آنَ لَكَ أن تزورَنا ؟ فقالَ : أقولُ يا أمَّه كما قالَ الأوَّلُ زُرْ غِبًّا تزدَدْ حبًّا قالَ فقالَت دَعونا من رطانَتِكم هذِهِ قالَ ابنُ عُمَيْرٍ أخبرينا بأعجَبِ شيءٍ رأيتِهِ من رسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آله وسلَّمَ - قالَ فسَكَتَت ثمَّ قالت لمَّا كانَ ليلةٌ منَ اللَّيالي قالَ: يا عائشةُ ذريني أتعبَّدُ اللَّيلةَ لربِّي قلتُ واللَّهِ إنِّي لأحبُّ قربَكَ وأحبُّ ما سرَّكَ قالَت فقامَ فتطَهَّرَ ثمَّ قامَ يصلِّي قالَت فلَمْ يزَلْ يَبكي حتَّى بلَّ حِجرَهُ قالَت ثمَّ بَكى فلم يزَلْ يبكي حتَّى بلَّ لِحيتَهُ قالَت ثمَّ بَكَى فلم يزَل يَبكي حتَّى بلَّ الأرضَ فجاءَ بلالٌ يؤذنُهُ بالصَّلاةِ فلمَّا رآهُ يبكي قالَ: يا رسولَ اللَّهِ لِمَ تَبكي وقد غَفرَ اللَّهُ لَكَ ما تقدَّمَ وما تأخَّرَ قالَ: أفلا أَكونُ عبدًا شَكورًا لقد نَزَلَت عليَّ اللَّيلةَ آيةٌ ويلٌ لمن قرأَها ولم يتفَكَّر فيها إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الآيةَ كلَّها .

الراوي : عائشة أم المؤمنين المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 1627 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) (2/224) مختصراً، وابن المنذر في ((تفسيره)) (1261)، وابن حبان (620) باختلاف يسير.

كان السَّلَفُ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ يَحرِصونَ على مَعرِفةِ هَدْيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جَميعِ أحوالِه، ولا سيَّما الأُمورِ التي لا يَطَّلعُ عليها إلَّا زَوجاتُه وأهلُ بَيتِه، كقيامِه لصَلاةِ اللَّيلِ وحالِه مَعَ أهلِه ونَحوِ ذلك، ومِن ذلك يَقولُ التَّابعيُّ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: دَخَلتُ أنا وعُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ وهو أحَدُ التَّابِعينَ، على عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها.

دَخَلوا عِندَها لزيارَتِها وسُؤالِها.

فقالت عائِشةُ لعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ: قد آنَ لَك أن تَزورَنا! أي: الآنَ ذَكَرتَ أن تَزورَنا! كَأنَّها تُعاتِبُه في عَدَمِ زيارَتِه لَها.

فقال عُبَيدٌ: أقولُ يا أُمَّه كما قال الأوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزدَدْ حُبًّا! والغِبُّ: أصلُه أن تَرِدَ الإبِلُ الماءَ يَومًا وتدَعَه يَومًا، فالمُرادُ: زُر أخاك وقتًا بَعدَ وقتٍ.

تَزدَدْ عِندَه حُبًّا؛ وذلك لأنَّ الإكثارَ مِنَ الزِّيارةِ يُمِلُّ، والإقلالَ مِنها مُخِلٌّ.

فقالت عائِشةُ: دَعونا مِن رَطانَتِكُم هذه! تَقصِدُ الكَلامَ المَسجوعَ، فالزِّيارةُ مَشروعةٌ لِما فيها مِنَ التَّوادِّ والتَّحابِّ بَينَ الإخوانِ.

وكَثرةُ الزِّيارةِ لا تَنقُصُ المَودَّةَ، وقَولُه: زُرْ غِبًّا تَزدَدْ حُبًّا، مَخصوصٌ بمَن يَزورُ للطَّمَعِ، وأنَّ النَّهيَ عن كَثرةِ مُخالَطةِ النَّاسِ مَخصوصٌ بمَن يَخشى الفِتنةَ أوِ الضَّرَرَ، ثُمَّ قال عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ لعائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها يَسألُها: أخبرينا بأعجَبِ شَيءٍ رَأيتِه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم! فسَكَتَت عائِشةُ تُفكِّرُ في أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فكُلُّها عَجيبةٌ وصالحةٌ للاقتِداءِ بها؛ ففي رِوايةٍ أنَّها قالت: كُلُّ أمرِه كان عَجَبًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! ثُمَّ قالت: لمَّا كان لَيلةً مِنَ اللَّيالي، أي: التي كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَها في لَيلَتِها.

قال لَها: يا عائِشةُ، ذَريني، أي: اترُكيني أتَعَبَّدُ اللَّيلةَ لرَبِّي، أي: بالصَّلاةِ وقيامِ اللَّيلِ.

فقالت عائِشةُ: واللهِ إنِّي لأُحِبُّ قُربَك، أي: أُحِبُّ حينَ تَكونُ بجِواري، وأحِبُّ ما سَرَّك، أي: أحِبُّ كُلَّ أمرٍ يَجعَلُك مَسرورًا.

قالت: فقامَ رَسولُ اللهِ فتَطَهَّر، أي: تَوضَّأ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، أي: قيامَ اللَّيلِ، فلَم يَزَلْ يَبكي حَتَّى بَلَّ حِجرَه، أي: خَضبَ طَرَفَ ثَوبِه، ثُمَّ بَكى فلَم يَزَلْ يَبكي حَتَّى بَلَّ لحيَتَه، أي: خَضبَها بالدُّموعِ، ثُمَّ بَكى فلَم يَزَل يَبكي حَتَّى بَلَّ الأرضَ، أي: حَتَّى نَزَلَت دُموعُه على الأرضِ! وهذا كِنايةٌ عن كَثرةِ الدُّموعِ والخُشوعِ والخَوفِ مِنَ اللهِ تعالى.

ثُمَّ جاءَه بلالٌ رَضِيَ اللهُ عنه يُؤذِنُه بالصَّلاةِ، أي: يُعلِمُه بصَلاةِ الفَجرِ حَتَّى يَخرُجَ إليها، فلَمَّا رَأى بلالٌ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَبكي، قال: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ تَبكي وقد غَفرَ اللهُ لَك ما تقدَّم وما تَأخَّرَ؟! وكَأنَّ بلالًا ظَنَّ أنَّ سَبَبَ تَحَمُّلِه المَشَقَّةَ في العِبادةِ إمَّا الخَوفُ مِنَ الذَّنبِ أو رَجاءُ المَغفِرةِ، ومَن تحَقَّق أنَّه غُفرَ له لا يَحتاجُ إلى ذلك، فأفادَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ لَها سَبَبًا آخَرَ أتَمَّ وأكمَلَ، وهو الشُّكرُ على التَّأهُّلِ لَها مَعَ المَغفِرةِ وإجزالِ النِّعمةِ، فقال: أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا؟! أي: بنِعمةِ اللهِ عليَّ بغُفرانِ ذُنوبي وسائِرِ ما أنعَمَ اللَّهُ عليَّ، فمَن عَظُمَت عليه نِعَمُ اللهِ وجَبَ عليه أن يَتَلَقَّاها بعَظيمِ الشُّكرِ، ثُمَّ قال: لَقد نَزَلَت عليَّ اللَّيلةَ آيةٌ وَيلٌ لمَن قَرَأها ولَم يَتَفكَّرْ فيها، أي: لَم يَتَأمَّلْ في مَعانيها وما تُرشِدُ إليه {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191] الآيةُ كُلُّها.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ السُّؤالِ عن أحوالِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الخاصَّةِ.

وفيه حِرصُ التَّابعينَ على مَعرِفةِ هَديِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وفيه مِن حُسنِ العِشرةِ أن يَستَأذِنَ كُلٌّ مِنَ الزَّوجَينِ الآخَرَ إذا أرادَ أن يَنشَغِلَ بأمرٍ مُهمٍّ للتَّعَبُّدِ أوِ الذِّكرِ ونَحوِ ذلك.

وفيه بَيانُ كَيف كان حالُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قيامِ اللَّيلِ.

وفيه إعلامُ المُؤَذِّنِ للإمامِ بقُربِ إقامةِ الصَّلاةِ.

وفيه أنَّ شُكرَ النِّعَمِ يَكونُ بكَثرةِ طاعةِ اللَّهِ والتَّقَرُّبِ إليه.

وفيه مَشروعيَّةُ أخذِ الإنسانِ على نَفسِه بالشِّدَّةِ في العِبادةِ ما لَم يُؤَدِّ ذلك به إلى المَلَلِ والسَّآمةِ.

وفيه الوعيدُ لمَن قَرَأ قَولَه تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191] .

ولَم يَتَفكَّرْ فيها .

الأصول والأحكام

صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع (7/ 722) :

7297 - أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ، فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه كما قال الأول: زر غبا تزدد حبا.

قال: فقالت: دعونا من رطانتكم هذه، قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: "يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي"، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى وكان جالسا، فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟! قال: "أفلا أكون عبدا شكورا، لقد نزلت علي الليلة آية، ‌ويل ‌لمن ‌قرأها ‌ولم ‌يتفكر ‌فيها: {إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190]، الآية كلها.

شرح مشكل الآثار (12/ 33) 4618 - وقد حدثنا أبو أمية، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي , عن أبي جناب الكلبي، عن عطاء بن أبي رباح قال: " دخلت مع عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنهم وهي في خدرها، فقالت: من هؤلاء؟ قلنا: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير، فقالت: يا عبيد بن عمير، أنت كما قال الأول: زر غبا تزدد حبا، فقال ابن عمر: دعونا من باطلكم هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت بكاء شديدا، ثم قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني ذات ليلة، وقد دخلت فراشي، فدخل معي حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: " يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي عز وجل " قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأحب قربك وأحب هواك، قالت: فقام إلى قربة في البيت، فتوضأ منها، ثم قرأ القرآن، ثم بكى حتى ظننت أن دموعه بلغت حبوته، ثم جلس، فدعا وبكى حتى ظننت أن دموعه بلغت حجزته، ثم اضطجع على يمينه، وجعل يده اليمنى تحت خده الأيمن، ثم بكى حتى ظننت أن دموعه قد بلغت الأرض، ثم جاءه بلال بعدما أذن، فسلم، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله , تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: وما لي لا أبكي، وقد أنزلت علي الليلة: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية، ويل لمن قرأها، ثم لم يتفكر فيها، ويحك يا بلال ألا أكون عبدا شكورا "

[أخلاق النبي - لأبي الشيخ] (3/ 120) 544 - حدثنا أبو الفضل العباس ابن الشيخ أبي العباس السقاني رحمه الله، نا الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث التميمي الفقيه الحافظ رحمة الله عليه، قراءة عليه أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان الحافظ، أخبرنا أبو بكر الفريابي، نا الحسين بن عيسى القومسي، نا جعفر بن عون، نا أبو جناب الكلبي، نا عطاء، قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير، على عائشة رضي الله عنها، فقال ابن عمر: حدثيني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فبكت، ثم قالت: كل أمره كان عجبا أتاني في ليلتي، حتى إذا دخل معي في لحافي، وألزق جلده بجلدي، قال: يا عائشة ائذني لي، أتعبد لربي، فقلت: إني لأحب قربك وهواك قالت: فقام إلى قربة في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن قالت: ثم بكى، حتى رأيت أن دموعه بلغت حجره، ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ثم وضع يده اليمنى تحت خده، ثم بكى، حتى رأيت أن دموعه قد بلغت الأرض قالت: فجاء بلال فآذنه بصلاة الفجر، فلما رأه يبكي، قال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وقال: ألا أبكي وقد أنزل علي الليلة: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} إلى قوله {سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: 191] ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها

أحاديث ذات صلة