- يا مُعَاذُ ! إِنَّكَ عَسَى أنْ لا تَلْقَانِي بعدَ عَامِي هذا، ولَعَلَّكَ أنْ تَمُرَّ بِمسجدِي هذا و قبرِي
أخرجه أحمد (22054) والطبراني (20/ 89) (171) والبيهقي (20646) مطولا.
لمَّا بَعَثَه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى اليَمنِ، خَرَجَ معه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُوصيه، ومُعاذٌ راكبٌ ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمشي تحت راحلتِه، فلمَّا فَرَغَ قال: يا مُعاذُ، إنَّكَ عسى ألَّا تَلقاني بعدَ عامي هذا، ولعلَّكَ أنْ تَمُرَّ بمسجدي هذا وقَبري، فبَكى مُعاذٌ جَشَعًا لفِراقِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ التفَتَ فأقبَلَ بوَجهِه نحوَ المدينةِ فقال: إنَّ أَولى النَّاسِ بي المُتَّقونَ؛ مَن كانوا، وحيث كانوا.
الراوي : معاذ بن جبل المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج المسند لشعيب الصفحة أو الرقم: 22052 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه أحمد (22052) واللفظ له، والبزار (2647) مختصراً، وابن حبان (647) باختلاف يسير خَلقَ اللهُ تَعالى الخَلقَ لغايةٍ عَظيمةٍ، وهيَ تَوحيدُه سُبحانَه وتَعالى وعِبادَتُه، ولأجلِ ذلك أرسَلَ إلى النَّاسِ الرُّسُلَ يَدعونَهم إلى عِبادةِ اللهِ وحدَه، فما زالَ اللَّهُ تَعالى يُرسِلُ رُسُلَه وأنبياءَه مِن لَدُنْ آدَمَ عليه السَّلامُ إلى عَهدِ نَبيِّنا مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد دَعا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم النَّاسَ إلى التَّوحيدِ واجتَهَدَ في دَعوتِهم بكُلِّ الطُّرُقِ، وكان يُرسِلُ الرُّسُلَ إلى البُلدانِ يَدعونَ النَّاسَ لعِبادةِ اللهِ وحدَه، ولمَّا أرسَلَ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه إلى اليَمَنِ خَرَجَ مَعَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يوصيه، وكان مُعاذٌ راكِبًا، أي: على دابَّتِه، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمشي تَحتَ راحِلَتِه، أي: تَحتَ دابَّةِ مُعاذٍ تَواضُعًا للَّهِ وتَلَطُّفًا للمُؤمِنينَ، فلَمَّا فرَغَ، أي: لمَّا فرَغَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن وصيَّتِه لمُعاذٍ، قال له: يا مُعاذُ، إنَّك عَسى ألَّا تَلقاني بَعدَ عامي هذا! أي: أنَّك قد تَأتي ولا تَجِدُني، وهذا فيه إشارةٌ إلى أنَّ مُعاذًا رَضِيَ اللهُ عنه لَن يَجتَمِعَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ ذلك، وكَذلك وقَعَ؛ فإنَّه أقامَ باليَمَنِ حَتَّى كانت حَجَّةُ الوداعِ، ثُمَّ كانت وفاتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَ واحِدٍ وثَمانينَ يَومًا مِن يَومِ الحَجِّ.
ولَعَلَّك أن تَمُرَّ بمَسجِدي وقَبري، أي: وإنَّما تَمُرُّ على مَسجِدي وعَلى قَبري، فبَكى مُعاذُ بنُ جَبَلٍ جَشَعًا لفِراقِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! والجَشَعُ: الجَزَعُ لفِراقِ الإلفِ.
وإنَّما بَكى مُعاذٌ لغايةِ الحِرصِ على صُحبةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ التَفَت، أي: رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن مُعاذٍ فأقبَلَ بوَجهِه نَحوَ المَدينةِ، أي: توجَّه بوَجهِه ناحيةَ المَدينةِ، فقال: إنَّ أولى النَّاسِ بي، أي: بشَفاعَتي، أو أقرَبَ النَّاسِ إلى مَنزِلَتي: المُتَّقونَ -وذلك لأنَّ أكرَمَ النَّاسِ عِندَ اللهِ أتقاهم؛ فالعِبرةُ لَيسَت بالأنسابِ وإنَّما بالتَّقوى والعَمَلِ الصَّالحِ- مَن كانوا، أي: كائِنًا مَن كان، عَرَبيًّا أو عَجَميًّا أبيَضَ أو أسوَدَ شَريفًا أو وضيعًا، وحَيثُ كانوا، أي: سَواءٌ كانوا بمَكَّةَ أوِ المَدينةِ أوِ اليَمَنِ أو في أيِّ بَلَدٍ مِنَ البُلدانِ؛ فمَدارُ القُربِ على القُربِ بالأعمالِ لا على قُربِ الأجسادِ.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ فِراقَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمُعاذٍ لا يُؤَثِّرُ في الصِّلةِ والمَحَبَّةِ ما دامَتِ التَّقوى في الصَّدرِ، فالمُتَّقونَ أقرَبُ النَّاسِ إليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ففيه تَسليةٌ لمُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ الدُّعاةِ والعُلَماءِ للنَّاسِ لتَعليمِهم أمرَ دينِهم.
وفيه مَشروعيَّةُ وصيَّةِ الإمامِ لمَن يُرسِلُهم للبُلدانِ.
وفيه تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ تشييعِ الأصحابِ عِندَ التَّوديعِ.
وفيه عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبُوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فَضلُ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه مَحَبَّةُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ عنه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ أنَّ أولى النَّاسِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم همُ المُتَّقونَ.
وفيه الحَثُّ على التَّقوى .
[مسند أحمد] - الرسالة (36/ 377) 22054 - حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، أن معاذا لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم خرج معه النبي صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: " يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري " .
فبكى معاذ بن جبل جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تبك يا معاذ للبكاء، أو إن البكاء، من الشيطان "
[المعجم الكبير – للطبراني] (20/ 89) :
171 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان بن عمرو، ثنا أبو زياد يحيى بن عبيد الغساني، عن يزيد بن قطيب، عن معاذ بن جبل ، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: لعلك أن تمر بمسجدي وقبري، وقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، يقاتلون على الحق، فقاتل بمن أطاعك منهم من عصاك، ثم يفيئون إلى الإسلام حتى تبادر المرأة زوجها، والولد والده، والأخ أخاه، فانزل بين الحيين السكون والسكاسك
السنن الكبرى للبيهقي - المعارف (10/ 86) 20646- أخبرنا أبو الحسين بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أبو اليمان حدثنا صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكونى عن معاذ بن جبل رضى الله عنه : أنه لما بعثه النبى -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن خرج النبى -صلى الله عليه وسلم- معه يوصيه بوصية ومعاذ راكب ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشى تحت راحلته فلما فرغ قال : يا معاذ أنت عسى أن لا تلقانى بعد عامى هذا ولعلك أن تمر بمسجدى وقبرى .
قال الشيخ وهذا فى بعثته الثانية.