إِنَّ ثلاثَةً كَانُوا في كَهْفٍ ، فَوَقَعَ الجَبَلُ على بابِ الكهفِ فَأُوصِدَ عليهم ، قال قائِلٌ مِنْهُمْ : تَذَاكَرُوا ؛ أيُّكُمْ عَمِلَ حسنةً ؛ لعلَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بِرحمتِهِ يَرْحَمُنا ! فقال رجلٌ مِنْهُمْ : قد عَمِلْتُ حسنةً مرةً ؛ كان لي أُجَرَاءُ يعملونَ ، فَجاءنِي عُمَّالٌ لي ، فاسْتَأْجَرْتُ كلَّ رجلٍ مِنْهُمْ بِأَجْرٍ مَعْلومٍ ، فَجاءنِي رجلٌ ذاتَ يَوْمٍ وسَطَ النَّهارِ ، فَاسْتَأْجَرْتُهُ بِشَطْرِ أصحابِهِ ، فَعَمِلَ في بَقِيَّةِ نَهارِهِ كما عَمِلَ كلُّ رجلٍ مِنْهُمْ في نَهارِهِ كلِّهِ ، فَرأيْتُ عليَّ في الذِّمامِ أنْ لا أُنْقِصَهُ مِمَّا اسْتَأْجَرْتُ بهِ أصحابَهُ ؛ لِما جَهِدَ في عَمَلِه ، فقال رجلٌ مِنْهُمْ : أَتُعْطِي هذا مِثْلَ ما أعطيْتَنِي ، ولمْ يَعْمَلْ إِلَّا نِصْفَ نَهارٍ ؟ ! فقُلْتُ : يا عبدَ اللهِ ! لمْ أَبْخَسْكَ شيئًا من شَرْطِكَ ، وإِنَّما هو مالِي أَحْكُمُ فيهِ ما شِئْتُ ! قال : فَغَضِبَ ، وذَهَبَ ، وتركَ أَجْرَهُ .
قال : فَوَضَعْتُ حقَّهُ في جَانِبٍ مِنَ البيتِ ما شاءَ اللهُ ، ثُمَّ مَرَّتْ بي بعدَ ذلكَ بَقَرٌ ، فَاشْتَرَيْتُ بهِ فَصِيلَةً مِنَ البَقَرِ ؛ فَبَلَغَتْ ما شاءَ اللهُ .
فمرَّ بي بعدَ حِينٍ شيخًا ضَعِيفًا لا أَعْرِفُهُ ، فقال : إِنَّ لي عندَكَ حَقًّا ؛ فَذَكَّرَنِيهِ حتى عَرَفْتُهُ ، فقُلْتُ : إِيَّاكَ أَبْغِي ، هذا حَقُّكَ ، فعرضتُهُ عليهِ جَمِيعَها ! فقال : يا عبدَ اللهِ ! لا تَسْخَرْ بي ! إنْ لمْ تَصَدَّقْ عليَّ فَأعطِنِي حَقِّي ، قُلْتُ : واللهِ ! لا أَسْخَرُ بِكَ ؛ إِنَّها لَحَقُّكَ ، ما لي مِنْها شيءٌ ، فَدَفَعْتُها إليهِ جَمِيعًا ، اللهمَّ ! إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ لِوَجْهِكَ ؛ فَافْرُجْ عَنَّا ! قال : فَانْصَدَعَ الجَبَلُ حتى رَأوْا مِنْهُ وأَبْصَرُوا .
قال الآخَرُ : قد عَمِلْتُ حسنةً مرةً ؛ كان لي فَضْلٌ ، فأصابَتْ الناسَ شِدَّةٌ ، فجاءَتْنِي امرأةٌ تَطْلُبُ مِنِّي معروفًا ، قال : فقُلْتُ : واللهِ ما هو دُونَ نَفْسِكِ ! فَأَبَتْ عليَّ فذَهَبَتْ ، ثُمَّ رجعَتْ فَذَكَّرَتْنِي باللهِ ، فَأَبَيْتُ عليْها وقُلْتُ : لا واللهِ ؛ ما هو دُونَ نَفْسِكِ ! فَأَبَتْ عليَّ فذَهَبَتْ ، فذكرَتْ لِزَوْجِها ، فقال لها : أعطِيهِ نَفْسَكِ ، وأَغْنِي عِيالَكِ ! فَرجعَتْ إِلَيَّ ، فَناشَدَتْنِي باللهِ ، فَأَبَيْتُ عليْها ، وقُلْتُ : واللهِ ما هو دُونَ نَفْسِكِ ! فلمَّا رَأَتْ ذلكَ أسلمَتْ إِلَيَّ نَفْسَها ، فلمَّا تَكَشَّفْتُها وهَمَمْتُ بِها ؛ ارْتَعَدَتْ من تَحْتِي ، فقُلْتُ : ما شَأْنُكِ ؟ ! قالتْ : أَخَافُ اللهَ ربَّ العالمينَ ! فقُلْتُ لها : خِفْتِيهِ في الشِّدَّةِ ، ولمْ أَخَفْهُ في الرَّخَاءِ ! فَتَرَكْتُها وأَعْطَيْتُها ما يَحِقُّ عليَّ بِما تَكَشَّفْتُها ، اللهمَّ ! إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ لِوَجْهِكَ ؛ فَافْرُجْ عَنَّا ! قال : فَانْصَدَعَ حتى عَرَفُوا وتَبَيَّنَ لهُمْ .
قال الآخَرُ : عَمِلْتُ حسنةً مرةً ؛ كان لي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبيرَانِ ، وكان لي غَنَمٌ ، فَكُنْتُ أُطْعِمُ أَبَوَيَّ وأَسْقِيهِما ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى غَنَمِي ، قال : فأصابَنِي يومًا غَيْثٌ حَبَسَنِي ، فلمْ أَبْرَحْ حتى أَمْسَيْتُ ، فَأتيْتُ أهلِي ، وأخذْتُ مِحْلَبي ، فَحَلَبْتُ غَنَمِي قائِمَةٌ ، فَمَضَيْتُ إلى أَبَوَيَّ ؛ فَوَجَدْتُهُما قد ناما ، فَشَقَّ عليَّ أنْ أُوقِظَهُما ، وشَقَّ عليَّ أنْ أَتْرُكَ غَنَمِي ، فما بَرِحْتُ جالسًا ؛ ومِحْلَبي على يَدِي حتى أَيْقَظَهُما الصُّبْحُ ، فَسَقَيْتُهُما ، اللهمَّ ! إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلكَ لِوَجْهِكَ ؛ فَافْرُجْ عَنَّا ! – قال النُّعْمانُ : لكَأَنِّي أَسْمَعُ هذه من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ – قال الجَبَلُ : طَاقْ ؛ فَفَرَّجَ اللهُ عنهُمْ فَخَرَجُوا
أخرجه أحمد (18417)، والطبراني في ((الأوسط)) (2307) واللفظ لهما.
إنَّ ثَلاثةً كانوا في كَهْفٍ ، فَوقعَ الجبلُ على بابِ الكَهْفِ ، فأوصدَ علَيهم ، قالَ قائلٌ منهم : تَذاكروا أيُّكُم عَملَ حسنةً ، لعلَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ برحمتِهِ يَرحمُنا ، فقالَ رجلٌ منهُم : قد عَمِلْتُ حَسنةً مرَّةً : كانَ لي أُجراءُ يعمَلونَ ، فجاءَني عمَّالٌ لي ، فاستأجَرتُ كلَّ رجلٍ منهم بأجرٍ معلومٍ ، فجاءَني رجلٌ ذاتَ يومٍ وسطَ النَّهارِ ، فاستَأجرتُهُ بشَرطِ أصحابِهِ ، فعملَ في بقيَّةِ نَهارِهِ ، كما عملَ كلُّ رجلٍ منهم في نَهارِهِ كلِّهِ ، فرأيتُ عليَّ في الزِّمامِ أن لا أُنْقِصَهُ مِمَّا استأجرتُ بِهِ أصحابَهُ ، لما جَهِدَ في عملِهِ ، فقالَ رجلٌ منهم : أتُعطي هذا مثلَ ما أعطيتَني ولم يعمَل إلَّا نصفَ نَهارٍ ؟ فقُلتُ : يا عبدَ اللَّهِ ، لم أبخَسْكَ شيئًا مِن شرطِكَ ، وإنَّما هوَ مالي أحكُمُ فيهِ ما شئتُ ، قالَ : فغضِبَ ، وذَهَبَ ، وترَكَ أجرَهُ ، قالَ : فوضَعتُ حقَّهُ في جانبٍ منَ البيتِ ما شاءَ اللَّهُ ، ثمَّ مرَّت بي بعدَ ذلِكَ بقَرٌ ، فاشتَريتُ بِهِ فَصيلةً منَ البقَرِ ، فبلَغت ما شاءَ اللَّهُ ، فَمرَّ بي بعدَ حينٍ شيخٌ ضعيفٌ لا أعرفُهُ ، فقالَ : إنَّ لي عندَكَ حقًّا فذَكَّرَنيهِ حتَّى عرفتُهُ ، فقلتُ : إيَّاكَ أبغي ، هذا حقُّكَ ، فعرضتُها علَيهِ جميعَها ، فقالَ : يا عبدَ اللَّهِ ، لا تسخَرْ بي إن لم تصدَّق عليَّ ، فأعطِني حقِّي ، قالَ : واللَّهِ لا أسخَرُ بِكَ : إنَّها لحقُّكَ ما لي منها شيءٌ : فدفَعتُها إليهِ جميعًا .
اللَّهمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلِكَ لوجهِكَ ، فافرُج عنَّا .
قالَ : فانصدعَ الجبلُ حتَّى رأَوا منهُ ، وأبصَروا .
قالَ الآخرُ : قد عَمِلْتُ حسنةً مرَّةً كانَ لي فضلٌ ، فأصابتِ النَّاسَ شدَّةٌ ، فجاءتني امرأةٌ تطلُبُ منِّي معروفًا ، قالَ : فقلتُ : واللَّهِ ما هوَ دونَ نفسِكِ ، فأبَت عليَّ ، فذَهَبت ، ثمَّ رجعَت ، فذَكَّرتني باللَّهِ ، فأبيتُ علَيها وقلتُ : لا واللَّهِ ما هوَ دونَ نفسِكِ ، فأبَت عليَّ ، وذَهَبت ، فذَكَرت لزوجِها ، فقالَ لَها : أعطيهِ نفسَكِ ، وأغني عيالَكِ ، فرجعَت إليَّ ، فَناشدتني باللَّهِ ، فأبيتُ عليها ، وقلتُ : واللَّهِ ما هوَ دونَ نفسِكِ ، فلمَّا رأت ذلِكَ أسلَمت إليَّ نفسَها ، فلمَّا تَكَشَّفتُها ، وَهَممتُ بِها ، ارتعدَت مِن تحتي ، فقلتُ لَها : ما شأنُكِ ؟ قالت : أخافُ اللَّهَ ربَّ العالمينَ ، قلتُ : لَها خِفتيهِ في الشِّدَّةِ ، ولم أخَفهُ في الرَّخاءِ .
فترَكْتُها وأعطيتُها ما يحقُّ عليَّ بما تَكَشَّفتُها .
اللَّهمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلِكَ لوجهِكَ ، فافرُج عنَّا .
قالَ : فانصَدعَ حتَّى عرفوا وتبيَّنَ لَهُم .
قالَ الآخرُ : عَمِلْتُ حسنةً مرَّةً ، كانَ لي أبوانِ شيخانِ كبيرانِ ، وَكانت لي غنَمٌ ، فَكُنتُ أُطعمُ أبويَّ وأسقيهِما ، ثمَّ رجعتُ إلى غنَمي ، قالَ : فأصابَني يومًا غيثٌ حبَسَني ، فلم أبرَح حتَّى أمسيتُ ، فأتيتُ أَهْلي وأخذتُ محلَبي ، فحلَبتُ وغنمي قائمةٌ ، فمَضيتُ إلى أبويَّ ، فوجدتُهُما قد ناما ، فشقَّ عليَّ أن أوقظَهُما وشقَّ عليَّ أن أترُكَ غنَمي ، فما بَرِحْتُ جالسًا ، ومَحلبي على يدي حتَّى أيقظَهُما الصَّباحُ ، فسقيتُهُما .
اللَّهمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلِكَ لوجهِكَ ، فافرُج عنَّا قالَ النُّعمانُ : لَكَأنِّي أسمعُ هذِهِ من رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ قالَ الجبلُ : طاقْ ، ففرَّجَ فخرَجوا الراوي : النعمان بن بشير المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 2/209 خلاصة حكم المحدث : سنده صحيح الأعمالُ الصَّالحةُ سَبَبٌ في تَفريجِ الكُرُباتِ وتَيسيرِ العَسيرِ؛ فعَلى المَرءِ أن يُكثِرَ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ ويَجعَلَها خالصةً لوَجهِ اللهِ تعالى؛ فقد تَنفَعُه إذا وقَعَ في ضيقٍ وشِدَّةٍ، فيَتَوسَّلُ للهِ تعالى بهذا العَمَلِ الصَّالحِ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِصَّةِ أصحابِ الغارِ الذينَ انطَبَقَت عليهم صَخرةٌ وهم في الغارِ، وسَألوا اللهَ أن يُنجيَهم بخالِصِ أعمالِهم، فقال: إنَّ ثَلاثةً كانوا في كَهفٍ.
وهو كالبَيتِ المَنقورِ في الجَبَلِ، فوقَعَ الجَبَلُ على بابِ الكَهفِ، فأُوصِدَ عليهم، أي: أُغلِقَ وسُدَّ عليهم بسَبَبِ الهَدمِ الذي مِنَ الجَبَلِ.
فقال قائِلٌ مِنهم: تَذاكَروا أيُّكُم عَمِلَ حَسَنةً، أي: عَمَلًا صالحًا؛ لَعَلَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ برَحمَتِه يَرحَمُنا، أي: بسَبَبِ ذلك العَمَلِ.
فقال رَجُلٌ مِنهم: قد عَمِلتُ حَسَنةً مَرَّةً، كان لي أُجَراءُ، أي: عُمَّالٌ يَعمَلونَ، فجاءَني عُمَّالٌ لي، فاستَأجَرتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بأجرٍ مَعلومٍ، فجاءَني رَجُلٌ ذاتَ يَومٍ وسَطَ النَّهارِ، فاستَأجَرتُه بشَرطِ أصحابِه، أي: بنَفسِ أُجرةِ بَقيَّةِ العُمَّالِ، فعَمِلَ في بَقيَّةِ نَهارِه كما عَمِلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم في نَهارِه كُلِّه، أي: مَعَ أنَّه جاءَ في وسَطِ النَّهارِ إلَّا أنَّه عَمِلَ مِثلَ مَن عَمِلَ مِن أوَّلِ النَّهارِ، فرَأيتُ عليَّ في الذِّمامِ -أي: الحَقِّ والحُرمةِ، والذِّمامُ: بمَعنى العَهدِ والأمانِ والضَّمانِ والحُرمةِ والحَقِّ- أن لا أَنقُصَه مِمَّا استَأجَرتُ به أصحابَه؛ لِما جَهَد في عَمَلِه، أي: بسَبَبِ تَعَبِه في العَمَلِ، فقال رَجُلٌ مِنَ العُمَّالِ: أتُعطي هذا مِثلَ ما أعطَيتَني ولَم يَعمَلْ إلَّا نِصفَ نَهارٍ؟! أي: كَيف تُعطيه مِثلَ أُجرَتِنا وهو قد عَمِلَ مِن نِصفِ النَّهارِ؟ فقُلتُ: يا عَبدَ اللهِ، لَم أبخَسْك، أي: أنقُصْك شَيئًا مِن شَرطِك، وإنَّما هو مالي أحكُمُ فيه ما شِئتُ.
والمَعنى: أنِّي أعطَيتُك أجرَك كامِلًا، فليس لَك أن تَعتَرِضَ عليَّ في مالي لمَن أُعطيه.
فغَضِبَ ذلك العامِلُ وذَهَبَ وتَرَكَ أجرَه.
فوضَعتُ حَقَّه في جانِبٍ مِنَ البَيتِ ما شاءَ اللهُ، أي: وضَعتُ أجرَ ذلك العامِلِ في ناحيةٍ مِنَ البَيتِ، ثُمَّ مَرَّت بي بَعدَ ذلك بَقَرٌ، فاشتَرَيتُ به، أي: بمالِ ذلك العامِلِ فصيلةً مِنَ البَقَرِ، وهو ولَدُ البَقَرةِ؛ لأنَّه يُفصَلُ عن أُمِّه، أي: يُفطَمُ، فبَلَغَت ما شاءَ اللهُ، أي: أنَّ البَقَرَ كَثُرَت، فمَرَّ بي بَعدَ حينٍ، أي: ذلك الأجيرُ الذي تَرَكَ حَقَّه، وهو شَيخٌ ضَعيفٌ لا أعرِفُه! فقال: إنَّ لي عِندَك حَقًّا فذَكَّرَنيه حتَّى عَرَفتُه، فقُلتُ: إيَّاكَ أبغي! أي: أنتَظِرُ حُضورَك حتَّى أُعطيَك حَقَّك.
فهذا حَقُّك، فعَرَضتُها عليه جَميعَها، أي: قال لَه: خُذْها كُلَّها فهيَ لَك.
فقال العامِلُ: يا عَبدَ اللهِ، لا تَسخَرْ بي إن لَم تَصَّدَّقْ علَيَّ، فأعطِني حَقِّي، أي: أنَّه لَم يُصَدِّقْ أنَّ تلك البَقَرَ كُلَّها له، فظَنَّ أنَّ الرَّجُلَ يَسخَرُ به.
فقال له: واللهِ لا أسخَرُ بك: إنَّها لَحَقُّك ما لي مِنها شَيءٌ، فدَفعتُها إليه جَميعًا.
اللَّهُمَّ إن كُنتُ فعَلتُ ذلك لوَجهِك، أي: خالصًا لَك، فافرُجْ عنَّا، أي: اكشِفْ عنَّا، فانصَدَعَ، أي: انشَقَّ الجَبَلُ حتَّى رَأوا مِنه، وأبصَروا.
قال الآخَرُ: قد عَمِلتُ حَسَنةً مَرَّةً، كان لي فَضلٌ، أي: مِن مالٍ فاضِلٍ عن حاجَتي، وهو كِنايةٌ عنِ الغِنى، فأصابَتِ النَّاسَ شِدَّةٌ، أي: جَدبٌ واحتياجٌ، فجاءَتني امرَأةٌ تَطلُبُ مِنِّي مَعروفًا، أي: تَطلُبُ أن أُعطيَها بَعضَ المالِ صَدَقةً.
فقُلتُ: واللهِ ما هو دونَ نَفسِك! أي: لا أُعطيك حتَّى تُمَكِّنيني مِن نَفسِك حتَّى يَزنيَ بها.
فأبَت علَيَّ، أي: امتَنَعَت، فذَهَبَت ثُمَّ رَجَعَت مَرَّةً أُخرى تَطلُبُ، وذَكَّرَتني باللهِ، أي: إمَّا ذَكَّرَته بأجرِ الصَّدَقةِ، وإمَّا ذَكَّرَته بحُرمةِ ما يَطلُبُه مِن تَمكينِ نَفسِها له، فأبَيتُ عليها، أي: امتَنَعتُ أن أُعطيَها.
وقُلتُ: لا واللَّهِ ما هو دونَ نَفسِك، فأبَت عليَّ، وذَهَبَت.
فذَكَرَت لزَوجِها، فقال لَها زَوجُها: أعطيه نَفسَكِ، وأغْني عِيالَكِ! فرَجَعَت إليَّ فناشَدَتني باللهِ، أي: استَحلَفَتني باللهِ أن أُعطيَها، فأبَيتُ عليها، وقُلتُ: واللهِ ما هو دونَ نَفسِك، فلَمَّا رَأت ذلك أسَلَمَت إليَّ نَفسَها، أي: أنَّها عِندَما رَأت أنْ لا فائِدةَ مِن تَذكيرِه وهيَ مُحتاجةٌ مَكَّنَته مِن نَفسِها، فلمَّا تكشَّفْتُها، وهَمَمتُ بها، ارتَعَدَت، أي: اضطَرَبَت مِن تَحتي، فقُلتُ لَها: ما شَأنُك؟ أي: ما بك؟ قالت: أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمينَ، فقُلتُ لَها: خِفتِيه في الشِّدَّةِ، ولَم أخَفْه في الرَّخاءِ! أي: خِفتِه وأنتِ في غايةِ الشِّدَّةِ والاحتياجِ ولَم أخَفْه وأنا غَنيٌّ وفي بُحبوحةٍ مِنَ العَيشِ، فتَرَكتُها وأعطَيتُها ما يَحِقُّ عليَّ بما تكشَّفْتُها، أي: مُقابلَ ما تَكشَّفَ مِنها، اللَّهُمَّ إن كُنتُ فعَلتُ ذلك لوَجهِك، أي: خالصًا لَك، فافرُجْ عنَّا.
فانصَدَعَ الجَبَلُ حتَّى عَرَفوا وتَبَيَّنَ لَهم، أي: وضَحَ وبانَ لَهم أكثَرَ.
وقال الآخَرُ: عَمِلتُ حَسَنةً مَرَّةً، كان لي أبَوانِ شَيخانِ كَبيرانِ، أي: كَبيرانِ في السِّنِّ، وكانت لي غَنَمٌ، فكُنتُ أُطعِمُ أبَويَّ وأسقيهما، ثُمَّ رَجَعتُ إلى غَنَمي، فأصابَني يَومًا غَيثٌ، أي: مَطَرٌ شَديدٌ حَبَسَني، أي: مَنَعني مِنَ العَودةِ إلى والدَيَّ، فلَم أبرَحْ حتَّى أمسَيتُ، أي: ظَلَلتُ في مَكاني حتَّى المَساءِ عِندَما توقَّف المَطَرُ، فأتَيتُ أهلي وأخَذتُ مِحْلَبي، أي: الإناءَ الذي يَحلُبُ فيه الحَليبَ، فحَلَبتُ وغَنَمي قائِمةٌ، أي: مُستَعِدَّةٌ للحَلبِ لَم أجعَلْها تَنامُ، فمَضَيتُ، أي: ذَهَبتُ إلى أبَوَيَّ، فوجَدتُهما قد ناما، فشَقَّ، أي: صَعُبَ عليَّ أن أوقِظَهما.
وشَقَّ عليَّ أن أترُكَ غَنَمي، فما بَرِحتُ جالِسًا، أي: ظَللتُ جالسًا ومِحْلَبي على يَدَيَّ حتَّى أيقَظَهما الصَّباحُ، فسَقَيتُهما.
اللَّهُمَّ إن كُنتُ فعَلتُ ذلك لوَجهِك، أي: خالصًا لوَجهِك فافرُجْ عنَّا.
قال النُّعمانُ، وهو النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ رَضِيَ اللهُ عنه راوي الحَديثِ: لكَأنِّي أسمَعُ هذه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال الجَبَلُ: طاقْ.
ومَعناه أنَّ قِطعةً مُرتَفِعةً بارِزةً مِنَ الجَبَلِ سَقَطَت على فَمِ الغارِ فسَدَّتْه، وهذا حِكايةٌ لبدايةِ القِصَّةِ، ففُرِّجَ فخَرَجوا، أي: أنَّ الجَبَلَ بَعدَ ذلك انزاحَ عنهم حتَّى خَرَجوا يَمشونَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ التَّوسُّلِ إلى اللهِ تعالى بالعَمَلِ الصَّالحِ.
وفيه أنَّ العَمَلَ الصَّالحَ مِن أسبابِ تَفريجِ الكُرُباتِ.
وفيه وُقوعُ البَلاءِ للمَرءِ.
وفيه فضلُ العَمَلِ الصَّالحِ.
وفيه فَضلُ الإخلاصِ في العِبادةِ.
وفيه فَضلُ أداءِ الحُقوقِ.
وفيه فَضلُ العِفَّةِ والخَوفِ مِنَ اللهِ تعالى.
وفيه فَضلُ بِرِّ الوالدَينِ .
[مسند أحمد] (30/ 366 ط الرسالة) :
18417 - حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه، حدثني عبد الصمد يعني ابن معقل، قال: سمعت وهبا يقول: حدثني النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرقيم، فقال: " إن ثلاثة نفر كانوا في كهف، فوقع الجبل على باب الكهف، فأوصد عليهم.
قال قائل منهم: تذكروا أيكم عمل حسنة، لعل الله عز وجل برحمته يرحمنا، فقال رجل منهم: قد عملت حسنة مرة: كان لي أجراء يعملون، فجاءني عمال لي، استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار، فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في بقية نهاره كما عمل كل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه، لما جهد في عمله، فقال رجل منهم: أتعطي هذا مثل ما أعطيتني، ولم يعمل إلا نصف نهار؟! فقلت: يا عبد الله، لم أبخسك شيئا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت.
قال: فغضب، وذهب، وترك أجره.
قال: فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر، فاشتريت به فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه، فقال: إن لي عندك حقا فذكرنيه حتى عرفته، فقلت: إياك أبغي، هذا حقك، فعرضتها عليه جميعها، فقال: يا عبد الله، لا تسخر بي، إن لم تصدق علي، فأعطني حقي.
قال: والله ما أسخر بك، إنها لحقك ما لي منها شيء، فدفعتها إليه جميعا.
اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا " قال: " فانصدع الجبل حتى رأوا منه وأبصروا.
قال الآخر: قد عملت حسنة مرة: كان لي فضل، فأصابت الناس شدة؛ فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا.
قال: فقلت: والله ما هو دون نفسك، فأبت علي، فذهبت، ثم رجعت، فذكرتني بالله، فأبيت عليها وقلت: لا والله ما هو دون نفسك، فأبت علي، وذهبت فذكرت لزوجها، فقال لها: أعطيه نفسك، وأغني عيالك، فرجعت إلي فناشدتني بالله، فأبيت عليها وقلت: والله ما هو دون نفسك، فلما رأت ذلك، أسلمت إلي نفسها، فلما تكشفتها وهممت بها، ارتعدت من تحتي، فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين.
قلت لها: خفتيه في الشدة، ولم أخفه في الرخاء! فتركتها، وأعطيتها ما يحق علي بما تكشفتها.
اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك، فافرج عنا " قال: " فانصدع حتى عرفوا، وتبين لهم.
قال الآخر: عملت حسنة مرة: كان لي أبوان شيخان كبيران، وكانت لي غنم، فكنت أطعم أبوي وأسقيهما، ثم رجعت إلى غنمي.
قال: فأصابني يوما غيث حبسني، فلم أبرح حتى أمسيت، فأتيت أهلي، وأخذت محلبي، فحلبت وغنمي قائمة، فمضيت إلى أبوي، فوجدتهما قد ناما، فشق علي أن أوقظهما، وشق علي أن أترك غنمي، فما برحت جالسا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح، فسقيتهما.
اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك، فافرج عنا ".
قال النعمان: لكأني أسمع هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، " قال الجبل: طاق، ففرج الله عنهم، فخرجوا "
[المعجم الأوسط - للطبراني] (3/ 8) :
2307 - حدثنا إبراهيم قال: نا محمد بن عبد الرحيم بن شروس الصنعاني قال: سمعت عبد الله بن بحير القاص، يذكر، عن وهب بن منبه، عن النعمان بن بشير الأنصاري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن الرقيم: إن ثلاثة نفر دخلوا في كهف، فوقع قطعة من الجبل على باب الكهف، فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: يا قوم، تذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله برحمته يرحمنا، فقال أحدهم: قد عملت حسنة مرة كان لي عمال استأجرتهم في عمل لي، كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار، فاستأجرته ما بقي من النهار بشرط أصحابه، فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت في الذمام أن لا أنقصه شيئا مما استأجرت به أصحابه، لما جهد في عمله، فقال لي رجل منهم: أتعطي هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا نصف نهار؟ قلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت، فغضب عند ذلك، وترك إجارته، ووضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر، فاشتريت به فصيلا من البقر، فأمسكته حتى كبر، ثم بعته، ثم صرفت ثمنه في بقرة، فحملت، ثم توالدت لها حتى بلغ ما شاء الله، ثم مر بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه، فقال لي: إن لي عندك حقا، فذكره حتى عرفته، فقلت: نعم، إياك أبغي، فعرضتها عليه جميعا، فقلت: هذا حقك، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ مني، إن لم تتصدق علي فأعطني حقي، فقلت: والله ما أسخر منك، إنها لحقك، ما لي منها شيء، فدفعتها إليه، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك، فافرج عنا، فانصدع الجبل، حتى رأوا وبصروا، وقال الآخر: فعلت حسنة مرة كان عندي فضل، وأصابت الناس شدة، فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا، فقلت لها: لا والله ما هو دون نفسك، فأبت علي، ثم رجعت فذكرتني بالله، فأبيت عليها، فقلت: لا والله ما هو دون نفسك، فأبت علي، فذكرت ذلك لزوجها، فقال لها: أعطيه نفسك وأغني عيالك، فجاءتني، فناشدتني الله، فقلت لها: لا والله ما هو دون نفسك، فلما رأت ذلك أسلمت إلي نفسها، فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي، فقلت: ما لك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين، فقلت لها: خفت الله في الشدة، ولم أخفه في الرخاء فتركتها، وأعطيتها ما يحق علي بما كشفتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا، فانصدع الجبل حتى عرفوا وتبين لهم، وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة كان لي أبوان شيخان كبيران، وكانت لي غنم، فأطعم أبوي وأسقيهما، ثم أرجع إلى غنمي، فلما كان ذات يوم أصابني غيث، فحبسني فلم أرح حتى أمسيت، فأتيت أهلي، فأخذت محلبي، فحلبت، وتركت غنمي قائمة، فمضيت إلى أبوي لأسقيهما، فوجدتهما قد ناما، فشق علي أن أوقظهما، وشق علي أن أترك غنمي، فما برحت جالسا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا قال النعمان: لكأني أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فقال الجبل: طاق، ففرج الله عنهم، فخرجوا