قولُ عليٍّ كان رأيي ورأيُ عمرَ في أمَّهاتِ الأولادِ أنْ لا يُبعنَ .
ثمَّ قد رأيتُ أنْ يُبعنَ فقال له قاضيه عَبيدَةُ السَّلمانيُّ : رأيُكَ مع عمرَ في الجماعةِ أحبُّ إلينا من رأيكَ وحدكَ في الفُرقةِ
سمِعتُ عليًّا يقولُ: اجتَمَع رأيي ورأيُ عُمرَ في أُمَّهاتِ الأولادِ ألَّا يُبعْنَ، قال: ثم رأيتُ بعدُ أنْ يُبعْنَ، قال عُبَيدةُ: فقلتُ له: فرأيُكَ ورأيُ عُمرَ في الجماعةِ أحَبُّ إليَّ من رأيِكَ وحدَك في الفُرقةِ، أو قال: في الفِتْنةِ، قال: فضحِكَ عليٌّ.
الراوي : عبيدة بن عمرو السلماني المحدث : شعيب الأرناؤوط المصدر : تخريج سنن أبي داود الصفحة أو الرقم: 6/88 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه عبد الرزاق (13224)، وعمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) (2/ 729) كلاهما بلفظه، والبيهقي (21793) بنحوه .
فرَّقَتِ الشَّريعةُ بَينَ أحكامِ الحُرِّ والعَبدِ، وكَذا أحكامُ الحُرَّةِ والأمَةِ، في كَثيرٍ مِن أحكامِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ؛ وذلك لأنَّ العَبدَ ليس مُستَقِلًّا استقلالًا تامًّا، فذِمَّتُه مَشغولةٌ بخِدمةِ سَيِّدِه، ومِن تلك الأحكامِ: أنَّ السَّيِّدَ يَجوزُ له التَّصَرُّفُ بأمَتِه بجَميعِ أنواعِ التَّصَرُّفاتِ مِن بَيعٍ وهِبةٍ ونَحوِ ذلك، وله أن يَستَمتِعَ بها بالوطءِ، فإذا حمَلَت مِن سَيِّدِها ووَلَدَت مِنه فإنَّها تُصبحُ بذلك أمَّ ولَدٍ، ولَها أحكامٌ تَخُصُّها تَختَلفُ عن بَقيَّةِ الإماءِ، ومِن ذلك أنَّها تُعتَقُ بمَوتِ السَّيِّدِ مُباشَرةً، ولا تَكونُ مِنَ الميراثِ، ومِنَ المَسائِلِ التي حَصَلَ فيها خِلافٌ بَينَ الصَّحابةِ في مَسألةِ أمِّ الولَدِ أنَّه: هَل يَصِحُّ بَيعُها أم لا؟ فكان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وعَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنهما يَرَيانِ أنَّها لا تُباعُ، وظَلَّ هذا الحُكمُ زَمَنَ خِلافةِ عُمَرَ وخِلافةِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنهما، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه الخِلافةَ تَغَيَّر رَأيُه في أُمِّ الولَدِ، فرَأى جَوازَ بَيعِها، فعن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، وهو مِن أصحابِ عَليٍّ، قال: سَمِعتُ عَليًّا يَقولُ: اجتَمَعَ رَأيي ورَأي عُمَرَ في أُمَّهاتِ الأولادِ ألَّا يُبَعْنَ.
ثُمَّ رَأيتُ بَعدُ أن يُبَعْنَ، أي: تَغَيَّرَ اجتِهادُه بَعدَ ذلك.
فقال له عَبِيدةُ: فرَأيُك ورَأيُ عُمَرَ في الجَماعةِ، أي: أيَّامَ اجتِماعِ النَّاسِ وقَبلَ وُقوعِ الفُرقةِ والفِتَنِ، أحَبُّ إلَيَّ مِن رَأيِك وحدَك في الفُرقةِ، أو في الفِتنةِ، أي: بَعدَ وُقوعِ الافتِراقِ والفِتَنِ.
فضَحِكَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: مِن رَجاحةِ عَقلِ عَبِيدةَ، وذِكْرِه أنَّ الرَّأيَ مَعَ الجَماعةِ أَولى مِن رَأيِه وَحدَه؛ ولهذا جاءَ في رِوايةٍ أُخرى: أنَّ عَليًّا لَم يَرجِعْ رُجوعًا صَريحًا، إنَّما قال لعَبِيدةَ وشُرَيحٍ: اقضُوا كما كُنتُم تَقضونَ؛ فإنِّي أكرَهُ الخِلافَ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ رَأيِ عَليٍّ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما في أُمَّهاتِ الأولادِ.
وفيه أنَّ العالِمَ قد يَتَغَيَّرُ اجتِهادُه في المَسألةِ.
وفيه أنَّ رَأيَ الجَماعةِ أقرَبُ إلى الصَّوابِ مِن رَأيِ الواحِدِ .