قصَّةُ من تعدَّى في السَّبتِ من أتباعِ موسَى عليه السَّلامُ ؛ فإنَّ اللهَ – سبحانه وتعالَى – ضربَ مَن تركَ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المنكرِ بسَوطِ عذابهِ ، ومسخَهَم قردةً وخنازيرَ ، مع أنَّهم لم يفعلوا ما فعله المعتدونَ من الذَّنبِ ، بل سكَتوا عن إبلاغِ حُجَّةِ اللهِ ، والقيامُ بما أمرَ به ، من الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكرِ

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الأعراف# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# علم - القصص# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - إثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# فتن - وقوع المسخ
المصدر: الفتح الرباني
الراوي: -
المحدث: الشوكاني
الحكم:رواية صحيحة

الشرح والتوضيح

عَن ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قال : ابتَدعوا السَّبتَ فابتُلُوا فيه، فحُرِّمَتْ عليهِم فيهِ الحيتانُ ، فكانوا إذا كان يَومُ السَّبتِ شَرعَت لهم الحيتانُ ينظُرون إليها في البَحرِ ، فإذا انقَضى السَّبتُ ذهبَت فلم تُرَ حتَّى السَّبتِ المقبلِ ، فإذا جاء السَّبتُ جاءت شُرَّعًا ، فمكَثوا ما شاء اللهُ أن يمكُثوا كذلك، ثمَّ إنَّ رجلًا منهُم أخذ حوتًا فَخرَمَ أنفَه ثمَّ ، ضَرب لهُ وتدًا في السَّاحلِ ، وربطَه و تركَه في الماءِ .

فَلمَّا كان الغَدُ أخذَه فشوَّاهُ فأكلَه ، فَفَعل ذلكَ وهم ينظُرون و لا يُنكرونَ ، ولا يَنهاهُ منهُم أحدٌ ، إلَّا عُصبةٌ منهُم نَهوهُ ، حتَّى ظهر ذلكَ في الأسواقِ ففُعِلَ علانيةً .

قال : فقالَت طائفةٌ للذين يَنهَونَهم : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ، فقالوا : سَخِطَ أعمالَهم وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ .

فَلَمَّا نَسُوْا مَا ذُكِّرُوْا بِهِ إلى قولِه قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، قال ابنُ عبَّاسٍ : كانوا أثلاثًا : ثلثٌ نَهَوا ، و ثلُثٌ قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ ، و ثلثٌ أصحابُ الخطيئةِ ، فما نجا إلَّا الَّذينَ نَهَوا وهلَكَ سائرُهم .

الراوي : عكرمة مولى ابن عباس المحدث : ابن كثير المصدر : تفسير القرآن العظيم الصفحة أو الرقم: 3/495 خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد التخريج : أخرجه الطبري في ((التفسير)) ((10/ 520)) بلفظه مطولا، والحاكم (3254) والبيهقي في (معرفة السنن والآثار)) (20819) بنحوه كان ابنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما مِمَّن أوتيَ عِلمَ التَّأويلِ؛ فقد دَعا له النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُعَلِّمَه اللهُ التَّأويلَ، فرُزِقَ مِن ذلك عِلمًا كَثيرًا؛ ولذا سُمِّيَ بحَبرِ القُرآنِ وتُرجُمانِ القُرآنِ، وقد فسَّرَ كَثيرًا مِن آياتِ القُرآنِ، ومِن ذلك تَفسيرُه لقَولِه تَعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف:163- 164] ، فقال: ابتَدَعوا السَّبتَ فابتُلوا فيه، أي: أنَّ اليَهودَ ابتَدَعوا تَحريمَ العَمَلِ يَومَ السَّبتِ، فابتَلاهمُ اللَّهُ بيَومِ السَّبتِ؛ حَيثُ حَرُمَت عليهم فيه الحِيتانُ، أي: السَّمَكُ، فكانوا إذا كان يَومُ السَّبتِ شَرَعَت لَهمُ الحيتانُ، أي: كانت ظاهرةً على الماءِ كَثيرةً مُتَتابِعةً، يَنظُرونَ إليها في البَحرِ، فإذا انقَضى السَّبتُ ذَهَبَت فلَم تُرَ حَتَّى السَّبتِ المُقبِلِ، أي: القادِمِ، فإذا جاءَ السَّبتُ جاءَت شُرَّعًا ظاهِرةً كَثيرةً! فمَكَثوا ما شاءَ اللهُ أن يَمكُثوا كذلك، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنهم أخَذَ حوتًا أي سَمَكةً، فخَرَمَ -أي: ثَقَبَ وشَقَّ أنفَه- ثُمَّ ضَرَبَ له وَتِدًا -والوَتِدُ: هو ما رُزَّ في الأرضِ أوِ الحائِطِ مِن خَشَبٍ- في ساحِلِ البَحرِ، ورَبَطَه وتَرَكَه في الماءِ، فلَمَّا كان الغَدُ أخذه فشَواه فأكَلَه، ففعَلَ ذلك وهم يَنظُرونَ ولا يُنكِرونَ عليه، ولا يَنهاه مِنهم أحَدٌ، إلَّا عُصبةٌ، أي: جَماعةٌ مِنهم نَهَوه عَن فِعلِه، حَتَّى ظَهَرَ ذلك في الأسواقِ وانتَشَرَ فيهم، ففُعِلَ عَلانيةً! فقالت طائِفةٌ للَّذينِ يَنهَونَهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ}، فقالوا: نسخَطُ أعمالَهم، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.

وقَولُه تَعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 165، 166] ، قال ابنُ عَبَّاس: كانوا أثلاثًا: ثُلثٌ نَهَوا، وثُلثٌ قالوا: لمَ تَعِظونَ قَومًا اللَّهُ مُهلِكُهم، وثُلثٌ أصحابُ الخَطيئةِ، فما نَجا إلَّا الذينَ نَهَوا، وهَلَكَ سائِرُهم، أي: بَقيَّتُهم.

وفي الحَديثِ مَكانةُ ومَنزِلةُ ابنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما في تَفسيرِ القُرآنِ الكَريمِ.

وفيه ذَمُّ وقُبحُ اليَهودِ في استِعمالهمُ الحِيَلَ المُحَرَّمةَ.

وفيه أنَّ العِقابَ إذا نَزَلَ فلا يَنجو منه إلَّا مَن نَهى عَنِ المُنكَرِ، أمَّا مَن فعَلَ المُنكَرَ أو سَكَتَ ولَم يَنهَ عَن فِعلِه فالعِقابُ يَشمَلُه.

أحاديث ذات صلة