أنَّ أبا عبدِ الرَّحمنِ الحُبليِّ أتى عبدَ اللَّهِ بنَ عمَرَ أو ابنَ عمرٍو بِكتابٍ فيهِ أحاديثُ فقالَ انظر في هذا الْكتابِ فما عرفتَ منْهُ اترُكْهُ وما لم تعرفْهُ امحُهُ
عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الحُبْليِّ .
أنَّهُ أتى عبدَ اللَّهِ، يعني ابنَ عمرٍو بِكتابٍ فيهِ أحاديثُ، فقالَ : أصلحَك اللَّهُ، انظُر في هذا الكتابِ، فما عرفتَ منهُ ترَكتَه، وما لم تعرفهُ محوتَه، فنظرَ فيهِ، قالَ : فعرضتُ عليهِ حتَّى فرغتُ منهُ، ثمَّ دعا بغدائِه فتغدَّى الراوي : أبو عبدالرحمن الحبلي عبدالله بن يزيد المحدث : ابن حجر العسقلاني المصدر : تغليق التعليق الصفحة أو الرقم: 2/72 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح رَغَّبَ الإسلامُ في تَعلُّمِ العِلمِ وبَيَّنَ فَضلَه في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وقد اهتَمَّ السَّلَفُ الصَّالحُ بطَلَبِ العِلمِ وتَحصيلِه وضَبطِه، وكانوا يَحرِصونَ على ضَبطِ أحاديثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومن ذلك أنَّهم كانوا يهتَمُّونَ بضَبطِ كُتُبِهم وما فيها مِنَ الأحاديثِ ما يَصِحُّ مِنها وما لا يَصِحُّ، فيَعرِضونَها على أهلِ العِلمِ حَتَّى يُقِرُّوهم على صَحيحِها مِن ضَعيفِها، وقد ذَكَرَ أهلُ العِلمِ لتَحمُّلِ الحَديثِ طُرُقًا كَثيرةً، ومِنها طَريقةُ المُناوَلةِ بأن يَدفعَ الطَّالبُ إلى الشَّيخِ الكِتابَ أو مَرويَّاتِه فيَتَأمَّلُه الشَّيخُ وهو عارِفٌ مُتَيَقِّظٌ ثُمَّ يُعيدُه إليه، ومِن ذلك أنَّ أبا عَبدِ الرَّحمَنِ الحُبُليَّ -واسمُه عبدُ اللهِ بنُ يَزيدَ، وهو مِنَ التَّابِعينَ مِمَّن رَوى عَن جَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ، ومِنهم عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ- جاءَ بكِتابٍ فيه أحاديثُ مِن أحاديثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضيَ اللهُ عنهما، وقال له: أصلَحَك اللهُ، أي: دَعا له بالصَّلاحِ، انظُرْ في هذا الكِتابِ، أي: تَأمَّلْ في هذا الكِتابِ الذي جِئتُ به، فما عَرَفتَ مِنه تَركتَه، أي: إذا كان هناكَ حَديثٌ تَعرِفُه فاترُكْه كما هو في الكِتاب، وما لَم تَعرِفْه، أي: إذا وجَدتَ حَديثًا غَيرَ مَعروفٍ لَدَيك مَحَوتَه، أي: أزَلتَه مِنَ الكِتابِ.
فنَظَرَ فيه عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو، يَقولُ أبو عَبدِ الرَّحمَنِ الحُبُليُّ: فعَرَضتُ عليه حَتَّى فرَغتُ مِنه، أي: عَرَضَ عليه الكِتابَ كامِلًا حَتَّى انتَهى مِنه لكَي يُقِرَّه على الحَديثِ المَعروفِ فيُثبتَه في الكِتابِ، والحَديثُ غَيرُ المَعروفِ يَمحوه مِنَ الكِتابِ، ثُمَّ دَعا عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو بغَدائِه، أي: طَعامِه.
فتَغَدَّى، أي: أكَلَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ كِتابةِ الحَديثِ.
وفيه أهَمِّيَّةُ عَرضِ كُتُبِ الحَديثِ على أهلِ العِلمِ حَتَّى يُقِرُّوا ما يَصِحُّ مِنها وما لا يَصِحُّ.
وفيه بَيانُ طَريقةٍ مِن طُرُقِ تَحَمُّلِ الحَديثِ، وهيَ المُناوَلةُ.
وفيه مَشروعيَّةُ دُعاءِ المَفضولِ للفاضِلِ.
وفيه أدَبٌ مِنَ الأدَبِ مَعَ العُلَماءِ في الدُّعاءِ لَهم قَبلَ سُؤالِهم .