لمَّا طُعِنَ عمرُ أمرَ صُهَيبًا أن يصلِّيَ بالنَّاسِ
أخرجه الطبراني (8/29) (7287)، والحاكم (5713) باختلاف يسير
كنت أسمع عمرَ بنَ الخطابِ رضِيَ اللهُ عنه يقولُ لا يدخلُ رجلٌ من قريشٍ من بابٍ إلا دخل معه أناسٌ فلا أدِري ما تأويلُ قولِه حتى طُعِن عمرُ فأمر صهيبًا أن يصلِّيَ بالناسِ ثلاثًا وأمر أن يجعلَ للناسِ طعامًا تلك الثلاثِ الأيامِ حتى يجتمعَ أهلُ الشورَى على رجلٍ فلما رجعوا من الجنازةِ جاءوا وقد وُضِعَت الموائدُ فأمسك الناسُ للحزنِ الذي هم فيه فجاء العباسُ يا أيُّها الناسُ قد مات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأكلنا وشربنا بعدَه ومات أبو بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه فأكلنا وشربنا بعدَه أيُّها الناسُ كلوا من هذا الطعامِ فمدَّ يدَه ومدَّ الناسُ أيديهم فأكلوا فعرفت تأويلَ قولِه الراوي : الأحنف بن قيس المحدث : الهيثمي المصدر : مجمع الزوائد الصفحة أو الرقم: 5/198 خلاصة حكم المحدث : فيه علي بن زيد وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح التخريج : أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4757)، وأحمد بن منيع كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) للبوصيري (2/509)، والطبراني كما في ((مجمع الزوائد)) (5/198) كانت لقُرَيشٍ مَكانةٌ عَظيمةٌ عِندَ العَرَبِ قَبلَ الإسلامِ، فهم أهلُ حَرَمِ اللَّهِ؛ ولهذا لمَّا بُعِثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَدَأ يَدعوهم إلى اللهِ؛ لأنَّهم لَو آمَنوا فسيُؤمِنُ بَقيَّةُ العَرَبِ، وكان العَرَبُ يَنتَظِرونَ ما يَنتَهي إلَيه أمرُ قُرَيشٍ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولونَ: اترُكوه وقَومَه؛ فإنَّه إن ظَهَرَ عليهم فهو نَبيٌّ صادِقٌ، فلمَّا كانت وقعةُ فَتحِ مَكَّةَ بادَرَ كُلُّ قَومٍ بإسلامِهم، واستَمَرَّت هذه المَكانةُ لقُرَيشٍ حَتَّى بَعدَ الإسلامِ، وقد قال أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه عِندَما اختَلَف الصَّحابةُ فيمَن يَكونُ الخَليفةُ بَعدَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأرادَ الأنصارُ أن تَكونَ فيهم: ولَن يُعرَفَ هذا الأمرُ إلَّا لهذا الحَيِّ مِن قُرَيشٍ، هم أوسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودارًا؛ ولهذا يَقولُ الأحنَفُ بنُ قَيسٍ، وهو أحَدُ كِبارِ التَّابِعينَ ومِمَّن يُضرَبُ بحِلمِه المَثَلُ: كُنتُ أسمَعُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَقولُ: لا يَدخُلُ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ مِن بابٍ إلَّا دَخَلَ مَعَه أُناسٌ، فلا أدري ما تَأويلُ قَولِه، أي: أنَّه لَم يَعرِفْ مَعنى كَلمةِ أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ بهذه المَقولةِ، وفي رِوايةٍ أنَّ عُمَرَ قال: إنَّ قُرَيشًا رؤوسُ النَّاسِ، لا يَدخُلُ أحَدٌ مِنهم في بابٍ إلَّا دَخَلَ مَعَه فيه.
يَقولُ الأحنَفُ: حَتَّى طُعِن عُمَرُ، وذلك عِندَما كان يُصَلِّي بالنَّاسِ طَعنه أبو لُؤلُؤة المَجوسيُّ لعنَه اللهُ، فأمر عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه صُهَيبًا رَضِيَ اللهُ عنه وهو صُهَيبُ بنُ سِنانٍ المَعروفُ بصُهَيبٍ الرُّوميُّ، أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ ثَلاثًا، أي: ثلاثةَ أيَّامٍ بَعدَ إصابةِ عُمَرَ، وأمَرَ أن يَجعَلَ للنَّاسِ طَعامًا تلك الثَّلاثةَ الأيَّامِ حَتَّى يَجتَمِعَ أهلُ الشُّورى الذينَ عَيَّنَهم عُمَرُ ويَتَّفِقوا على رَجُلٍ يَكونُ هو الخَليفةَ بَعدَه.
فلَمَّا رَجَعوا مِنَ الجِنازةِ، أي: بَعدَ دَفنِه، جاؤوا وقد وُضِعَت مَوائِدُ الطَّعامِ، فأمسَكَ النَّاسُ عنِ الأكلِ؛ وذلك للحُزنِ الذي هم فيه بمَوتِ عُمَرَ، فجاءَ العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو مِن قُرَيشٍ، فلَمَّا رَآهم لا يَأكُلونَ قال لَهم: يا أيُّها النَّاسُ، قد ماتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأكَلْنا وشَرِبْنا بَعدَه، وماتَ أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه فأكَلْنا وشَرِبْنا بَعدَه، أي: وهما أفضَلُ مِن عُمَرَ، ومَعَ ذلك أكَلْنا وشَرِبْنا، وفي رِوايةٍ أنَّه قال لَهم: وإنَّه لا بُدَّ مِنَ الأجَلِ، ثُمَّ قال: أيُّها النَّاسُ كُلوا مِن هذا الطَّعامِ، ومَدَّ العَبَّاسُ يَدَه فأكَلَ، فلَمَّا رَأى النَّاسُ ذلك مَدُّوا أيديَهم فأكَلوا.
يَقولُ الأحنَفُ بنُ قَيسٍ لَمَّا رَأى هذا المَوقِفَ مِنَ العَبَّاسِ: فعَرَفتُ تَأويلَ قَولِ عُمَرَ، أي: عِندَما قال: لا يَدخُلُ رَجُلٌ مِن قُرَيشٍ مِن بابٍ إلَّا دَخَلَ مَعَه أُناسٌ، أي: أنَّ قُرَيشًا رؤوسُ النَّاسِ، والنَّاسُ تَبَعٌ لَهم؛ ولذلك لَمَّا رَأى النَّاسُ فِعلَ العَبَّاسِ فعَلوا مِثلَه واقتَدَوا به.
وفي الحَديثِ فَضلُ قُرَيشٍ.
وفيه عِلمُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه بمَقاماتِ النَّاسِ.
وفيه تَوليةُ الخَليفةِ بمَن يُصَلِّي بالنَّاسِ.
وفيه حِرصُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه على جَمعِ كَلِمةِ المُسلمينَ.
وفيه مَشروعيَّةُ جَعلِ الخِلافةِ شورى بَينَ النَّاسِ.
وفيه مَشروعيَّةُ صُنعِ الطَّعامِ لأهلِ المَيِّتِ.
وفيه خَفاءُ بَعضِ العِلمِ على بَعضِ العُلَماءِ.
وفيه أنَّ كُلَّ نَفسٍ ذائِقةُ المَوتِ.
وفيه أنَّ المُصيبةَ لا تَمنَعُ أصحابَها مِن الأكلِ والشُّربِ .
[المعجم الكبير – للطبراني] (8/ 29) :
7287 - حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن عبيد الله، عن ابن شهاب، عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر رضي الله عنه، أمر صهيبا مولى بني جدعان أن يصلي بالناس
المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 454) 5713 - أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القارئ، ببغداد، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب، عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر رضي الله عنه أمر صهيبا مولى بني جدعان أن يصلي بالناس