ويخرجُ منها ريحٌ كأنتنِ جيفةٍ وُجِدَتْ على وجْه الأرضِ ، فيصعدون بها ، فلا يمرُّون على ملأٍ من الملائكةِ إلا قالوا : ما هذه الروحُ الخبيثةُ.

فيقولون : فلانُ بنُ فلانٍ؛ بأقبحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماءِ الدنيا ، فيستفتحون ، فلا يُفتحُ لهم.

ثمَّ قرأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ} الآيةَ

الدلالات الموضوعية:# تفسير آيات - سورة الأعراف# دفن ومقابر - عذاب القبر ونعيمه# دفن ومقابر - أحوال الميت في القبر# جنائز وموت - روح الكافر بعد الموت# جنائز وموت - روح المؤمن بعد الموت
المصدر: تفسير القرطبي
الراوي: البراء بن عازب
المحدث: القرطبي المفسر
الحكم:[صحيح]

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (18534)، والحاكم (107)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (390) بنحوه في أثناء حديث طويل.

الشرح والتوضيح

خرَجْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم في جِنازةِ رجُلٍ مِن الأنصارِ، فانتهَيْنا إلى القبرِ ولَمَّا يُلحَدْ، فجلَس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم وجلَسْنا حولَه كأنَّما على رُؤوسِنا الطَّيرُ وفي يدِه عُودٌ ينكُتُ به، فرفَع رأسَه فقال: استعِيذوا باللهِ مِن عذابِ القبرِ ثلاثَ مرَّاتٍ أو مرَّتينِ، ثمَّ قال: إنَّ العبدَ المُؤمِنَ إذا كان في انقطاعٍ مِن الدُّنيا، وإقبالٍ مِن الآخرةِ، نزَل إليه مِن السَّماءِ ملائكةٌ بِيضُ الوجوهِ، كأنَّ وجوهَهم الشَّمسُ، حتَّى يجلِسوا منه مَدَّ البصَرِ، معهم كفَنٌ مِن أكفانِ الجنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجنَّةِ، ثمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الموتِ، فيقعُدُ عندَ رأسِه فيقولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبةُ، اخرُجي إلى مغفرةٍ مِن اللهِ ورِضوانٍ، فتخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطْرةُ مِن فِي السِّقاءِ، فإذا أخَذوها لم يَدَعوها في يدِه طَرفةَ عَيْنٍ، حتَّى يأخُذوها فيجعَلوها في ذلك الكفَنِ وذلك الحَنُوطِ، فيخرُجُ منها كأطيبِ نَفحةِ مِسكٍ وُجِدَتْ على وجهِ الأرضِ، فيصعَدونَ بها، فلا يمُرُّون بها على مَلَأٍ مِن الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟ فيقولونَ: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، بأحسَنِ أسمائِه الَّتي يُسمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى ينتَهوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيستفتِحون، فيُفتَحُ لهم، فيستقبِلُهم مِن كلِّ سماءٍ مُقرَّبوها إلى السَّماءِ الَّتي تليها، حتَّى يُنتَهى به إلى السَّماءِ السَّابعةِ، قال: فيقولُ اللهُ: اكتُبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّينَ في السَّماءِ الرَّابعةِ وأعِيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي منها خلَقْتُهم وفيها أُعِيدُهم ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرى، فتُعادُ رُوحُه في جسدِه، ويأتيه مَلَكانِ فيُجلِسانِه فيقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: ربِّيَ اللهُ، فيقولانِ له: ما دينُكَ؟ فيقولُ: دِيني الإسلامُ، فيقولانِ له: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فيكم؟ فيقولُ: هو رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم فيقولانِ: ما عمَلُكَ؟ فيقولُ: قرَأْتُ كتابَ اللهِ وآمَنْتُ به وصدَّقْتُ به، فيُنادي منادٍ مِن السَّماءِ: أنْ صدَق عَبْدي؛ فأَفْرِشوه مِن الجنَّةِ، وألبِسوه مِن الجنَّةِ، وافتحَوا له بابًا إلى الجنَّةِ، فيأتيه مِن طِيبِها ورَوْحِها، ويُفسَحُ له في قبرِه مَدَّ بصَرِه، ويأتيه رجُلٌ حسَنُ الوجهِ حسَنُ الثِّيابِ طيِّبُ الرِّيحِ فيقولُ: أبشِرْ بالَّذي يسُرُّكَ، هذا يومُكَ الَّذي كُنْتَ توعَدُ، فيقولُ: ومَن أنتَ ؟ فوجهُكَ الوجهُ الَّذي يجيءُ بالخيرِ، فيقولُ: أنا عمَلُكَ الصَّالحُ، فيقولُ: ربِّ، أقِمِ السَّاعةَ، ربِّ، أقِمِ السَّاعةَ؛ حتَّى أرجِعَ إلى أهلي ومالي، وإنَّ العبدَ الكافرَ إذا كان في انقطاعٍ مِن الدُّنيا وإقبالٍ مِن الآخرةِ، نزَل إليه مِن السَّماءِ ملائكةٌ سودُ الوجوهِ، معهم المُسُوحُ، حتَّى يجلِسوا منه مَدَّ البصَرِ، ثمَّ قال: ثمَّ يجيءُ مَلَكُ الموتِ حتَّى يجلِسَ عند رأسِه، فيقولُ: يا أيَّتُها النَّفْسُ الخبيثةُ، اخرُجي إلى سَخَطِ اللهِ وغضَبِه، قال: فتَفرَّقُ في جسدِه، قال: فتخرُجُ، فينقطِعُ معها العُروقُ والعصَبُ، كما يُنزَعُ السَّفُّودُ مِن الصُّوفِ المبلولِ، فيأخُذُها، فإذا أخَذها لم يَدَعوها في يدِه طَرْفةَ عينٍ حتَّى يأخُذوها ويجعَلوها في تلكَ المُسوحِ، فيخرُجُ منها كأنتَنِ ريحِ جِيفةٍ وُجِدَتْ على ظهرِ الأرضِ، فيصعَدون بها، فلا يمُرُّون بها على ملأٍ مِن الملائكةِ إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخبيثُ ؟ فيقولونَ: فلانُ بنُ فلانٍ، بأقبَحِ أسمائِه الَّتي كان يُسمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يُنتَهى بها إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيستفتِحون فلا يُفتَحُ له، ثمَّ قرَأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] ، قال: فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: اكتُبوا كتابَ عبدي في سِجِّينَ في الأرضِ السُّفْلى وأعِيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي منها خلَقْتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرى، قال: فتُطرَحُ رُوحُه طَرْحًا، قال: ثمَّ قرَأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، قال: فتُعادُ رُوحُه في جسَدِه، ويأتيه الملَكانِ فيُجلِسانِه فيقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: ها ها لا أدري، فيقولانِ له: وما دِينُكَ؟ فيقولُ: ها ها لا أدري، قال: فيُنادي منُادٍ مِن السَّماءِ: أَفرِشوا له مِن النَّارِ، وألبِسوه مِن النَّارِ، وافتَحوا له بابًا إلى النَّارِ، قال: فيأتيه مِن حَرِّها وسَمومِها، ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلِفَ فيه أضلاعُه، ويأتيه رجُلٌ قبيحُ الوجهِ وقبيحُ الثِّيابِ، فيقولُ: أبشِرْ بالَّذي يَسُوءُكَ، هذا يومُكَ الَّذي كُنْتَ توعَدُ؟ فيقولُ: مَن أنتَ؟ فوجهُكَ الوجهُ الَّذي يَجيءُ بالشَّرِّ، فيقولُ: أنا عمَلُكَ الخبيثُ، فيقولُ: ربِّ، لا تُقِمِ السَّاعةَ، ربِّ، لا تُقِمِ السَّاعةَ! الراوي : البراء بن عازب المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 141 خلاصة حكم المحدث : حسن التخريج : أخرجه أبو داود (4753) واللفظ له، والنسائي (2001)، وابن ماجه (1549) مختصراً، وأحمد (18557) باختلاف يسير مِن أركانِ الإيمانِ الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وذلك يَتَضَمَّنُ كُلَّ ما يَكونُ بَعدَ المَوتِ، ويَدخُلُ في ذلك الإيمانُ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه وفِتنَتِه، أي: سُؤالِ المَلكَينِ؛ فقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ الشَّخصَ إذا ماتَ فإنَّه إمَّا أن يُنعَّمَ في قَبرِه أو يُعَذَّبَ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ، والإيمانُ بنَعيمِ القَبرِ وعَذابِه هو مِنَ الإيمانِ بالغَيبِ الذي لا نَعلَمُ كَيفيَّتَه إلَّا عن طَريقِ الوَحيِ، وقد جاءَ بَعضُ تَفاصيلِ نَعيمِ القَبرِ وعَذابِه في السُّنَّةِ في حَديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو حَديثٌ طَويلٌ مَشهورٌ جاءَ فيه أنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم خَرَجوا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ رَجُلٍ مِنَ الأنصارِ، حتَّى انتَهَوا، أي: وصَلوا إلى القَبرِ ولمَّا يُلحَدْ، أي: قَبلَ إدخالِ المَيِّتِ في اللَّحدِ، وهو الشِّقُّ الذي يُعمَلُ في جانِبِ القَبرِ لمَوضِعِ المَيِّتِ، وأصلُ الإلحادِ: المَيلُ والعُدولُ عنِ الشَّيءِ.

وسُمِّي اللَّحدُ بذلك؛ لأنَّه قد أُميلَ عن وسَطِ القَبرِ، فعِندَ ذلك جَلَسَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَلَسَ الصَّحابةُ حَولَه يَنتَظِرونَ أن يَتِمَّ عَمَلُ اللَّحدِ والدَّفنُ، وكانوا كَأنَّما على رُؤوسِهم الطَّيرُ، أي: جالِسينَ بسُكونٍ ووقارٍ كَأنَّما على رؤوسِهم الطَّيرُ؛ لأنَّ الطَّيرَ لا يكادُ يقَعُ إلَّا على شَيءٍ ساكِنٍ.

وهذا كِنايةٌ عن غايةِ السُّكونِ، أي: لا يَتَحَرَّكُ مِنَّا أحَدٌ تَوقيرًا لمَجلسِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي يَدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عودٌ يَنكُتُ به، أي: يَضرِبُ الأرضَ بطَرَفِه ليُؤَثِّرَ فيه، وهو فِعلُ المُفكِّرِ في أمرٍ عَظيمٍ يُحَدِّثُ نَفسَه به، وناهيك بذِكرِ المَوتِ وعِظَمِ خَطَرِه والتَّفكُّرِ فيه! فرَفعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَأسَه فقال: استَعيذوا باللهِ مِن عَذابِ القَبرِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ أو مَرَّتَينِ، أي: اعتَصِموا باللهِ واطلُبوا مِنه أن يُجيرَكُم مِن عَذابِ القَبرِ.

ثُمَّ شَرَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحَدِّثُهم عن حالِ المُؤمِنِ وحالِ الكافِرِ إذا ماتَ وأُدخِلَ القَبرَ، فقال: إنَّ العَبدَ المُؤمِنَ إذا كان في انقِطاعٍ مِنَ الدُّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرةِ، أي: إذا دَنا أجَلُه وصارَ في حالةِ الاحتِضارِ، نَزَلَ إليه مِنَ السَّماءِ مَلائِكةٌ بِيضُ الوُجوهِ، كَأنَّ وُجوهَهمُ الشَّمسُ، حتَّى يَجلِسوا مِنه، أي: مِنَ العَبدِ المُؤمِنِ، مَدَّ البَصَرِ، أي: مُنتَهى بَصَرِه، مَعَهم كَفَنٌ مِن أكفانِ الجَنَّةِ، وحَنوطٌ مِن حَنوطِ الجَنَّةِ.

وهو ما يُخلَطُ مِنَ الطِّيبِ لأكفانِ المَوتى وأجسامِهم خاصَّةً، ثُمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ، فيَقعُدُ عِندَ رَأسِه، أي: عِندَ رَأسِ المُحتَضَرِ، فيَقولُ: أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، اخرُجي إلى مَغفِرةٍ مِنَ اللهِ ورِضوانٍ، فتَخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القَطرةُ مِن في السِّقاءِ.

وهو ظَرفُ الماءِ يَكونُ مِنَ الجِلدِ.

والمَعنى: أنَّ رُوحَه تَخرُجُ بكُلِّ يُسرٍ وسُهولةٍ كسُهولةِ تَقطيرِ الماءِ مِن فَمِ القِربةِ، فإذا أخَذوها، أي: أخَذَ المَلائِكةُ الرُّوحَ لَم يَدَعوها في يَدِه، أي: يَدِ مَلَكِ المَوتِ، طَرْفةَ عَينٍ، أي: لَحظةً ولَمحةً، حتَّى يَأخُذوا هذه الرُّوحَ فيَجعَلوها في ذلك الكَفَنِ الذي هو مِنَ الجَنَّةِ وذلك الحَنوطِ أيضًا، فيَخرُجُ مِن هذه الرُّوحِ كَأطيَبِ نَفحةِ مِسكٍ وُجِدَت على وَجهِ الأرضِ، أي: يَفوحُ مِنها كَأطيَبِ رائِحةِ مِسكٍ وُجِدَت على وَجهِ الأرضِ، فيَصعَدونَ بروحِه إلى السَّماءِ، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ، أي: جَماعةٍ مِنَ المَلائِكةِ، إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ أي: سَألوا عن صاحِبِ هذه الرُّوحِ التي تَنبَعِثُ مِنها هذه الرَّائِحةُ الطَّيِّبةُ، فيَقولونَ: هذا فُلانُ بنُ فُلانٍ، بأحسَنِ أسمائِه التي يُسَمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يَنتَهوا بروحِه إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَستَفتِحونَ، أي: يَطلُبونَ ويَستَأذِنونَ أن يُفتَحَ لَهم بابُ السَّماءِ، فيُفتَحُ لَهم، فيَستَقبِلُهم مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبوها إلى السَّماءِ التي تَليها، أي: يَتبَعُه ويَسيرُ مَعَه مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبوها، وهم رُؤَساؤُها المُقَرَّبونَ عِندَ اللهِ مِنَ المَلائِكةِ، حتَّى يُنتَهى بروحِه إلى السَّماءِ السَّابعةِ؛ لتُعرَضَ على اللهِ رَبِّ العالَمينَ، وعِندَ ذلك يَقولُ اللهُ تعالى للمَلائِكةِ: اكتُبوا كِتابَ عَبدي في عِلِّيِّينَ في السَّماءِ الرَّابعةِ -أي: اكتُبوا كِتابَه في مَكانٍ عالٍ، وعِلِّيُّونَ: هو عُلوٌّ بَعدَ عُلوٍّ، وشَرَفٌ بَعدَ شَرَفٍ، وكُلَّما عَلا الشَّيءُ وارتَفعَ عَظُم واتَّسَعَ- وأعيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي مِنها خَلَقتُهم وفيها أُعيدُهم ومِنها أخرِجُهم تارةً، أي: مَرَّةً أُخرى، كما قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] .

فعِندَ ذلك تُعادُ روحُ المُؤمِنِ في جَسَدِه في القَبرِ، ويَأتيه مَلَكانِ فيُجلِسانِه فيَقولانِ له: مَن رَبُّك؟ فيَقولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فيَقولانِ له: ما دينُك؟ فيَقولُ: ديني الإسلامُ، فيَقولانِ له: ما هذا الرَّجُلُ الذي بُعِثَ فيكُم؟ أي: أُرسِلَ إليكم، فيَقولُ: هو رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فيَقولانِ له: ما عَمَلُك؟ فيَقولُ: قَرَأتُ كِتابَ اللهِ، أي: القُرآنَ، وآمَنتُ به، أي: بالقُرآنِ أو بالنَّبيِّ أنَّه حَقٌّ، وصَدَّقتُ به، أي وصَدَّقتُه بما قال، أو صَدَّقتُ بما في القُرآنِ.

وإنَّما كان السُّؤالُ عن هذه الثَّلاثِ دونَ غَيرِها؛ لأنَّ مَن أتى بهذه الثَّلاثِ ورَضيَ بها فقد ذاقَ طَعمَ الإيمانِ، وتَحَقَّقَ كَمالُ إيمانِه؛ فعِندَ ذلك يُنادي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ صَدقَ عَبدي؛ فأَفرِشوه مِنَ الجَنَّةِ، أي: اجعَلوا فَرشَه في قَبرِه مِن فِراشِ الجَنَّةِ، وألبِسوه مِنَ الجَنَّةِ، أي: اجعَلوا مَلابِسَه مِن مَلابِسِ الجَنَّةِ، وافتَحوا له بابًا إلى الجَنَّةِ، أي: ليَرى مَنزِلَتَه فيها، فيَأتيه مِن طِيبِها، أي: طِيبِ رائِحَتِها العَطِرةِ ورَوحِها.

والرَّوحُ: هو الرَّاحةُ والنَّسيمُ، ويُفسَحُ، أي: يُوسَّعُ له في قَبرِه مَدَّ بَصَرِه، أي: مُنتَهى بَصَرِه، ثُمَّ يَأتيه رَجُلٌ حَسَنُ الوَجهِ حَسَنُ الثِّيابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فيَقولُ له: أبشِرْ بالذي يَسُرُّك، أي: لَك البُشرى بما يَسُرُّك، هذا يَومُك الذي كُنتَ تُوعَدُ، أي: بما وعَدَك اللَّهُ تعالى به في القُرآنِ أنَّ المُؤمِنَ الصَّادِقَ له البُشرى والسَّعادةُ، فهو قد تحَقَّق لَك، فيَقولُ المُؤمِنُ: ومَن أنتَ؟! فوجهُك الوَجهُ الذي يَجيءُ بالخَيرِ، أي: مَن تَكونُ أنتَ؛ فوَجهُك يَدُلُّ على الخَيرِ وفيه الخَيرُ، فيَقولُ الرَّجُلُ: أنا عَمَلُك الصَّالحُ، أي: يَتَمَثَّلُ له عَمَلُه الصَّالحُ في صورةِ رَجُلٍ حَسَنِ الوَجهِ حَسَنِ الثِّيابِ، فمِن شِدَّةِ فرَحِ المُؤمِنِ بذلك يَتَمَنَّى أن تَقومَ السَّاعةُ ذلك الوقتَ! فيَقولُ: رَبِّ أقِمِ السَّاعةَ، رَبِّ أقِمِ السَّاعةَ؛ حتَّى أرجِعَ إلى أهلي ومالي! وذلك لأنَّ النَّعيمَ بَعدَ قيامِ السَّاعةِ أعظَمُ وأعظَمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حالَ العَبدِ الكافِرِ، فقال: وإنَّ العَبدَ الكافِرَ إذا كان في انقِطاعٍ مِنَ الدُّنيا وإقبالٍ مِنَ الآخِرةِ، أي: وذلك عِند حُضورِ أجَلِه، فيَكونُ قدِ انتَهى أجَلُه ويَنتَظِرُ خُروجَ روحِه، نَزَلَ إليه مِنَ السَّماءِ مَلائِكةٌ سودُ الوُجوهِ، مَعَهمُ المُسوحُ، جَمعُ المِسْحِ، وهو اللِّباسُ الخَشِنُ المَمقوتُ، حتَّى يَجلِسوا مِنَ الكافِرِ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجيءُ مَلَكُ المَوتِ حتَّى يَجلِسَ عِندَ رَأسِه، فيَقولُ لَها: يا أيَّتُها النَّفسُ الخَبيثةُ، اخرُجي إلى سَخَطِ اللَّهِ وغَضَبِه، فتَفرَّقُ في جَسَدِه، أي: تَتَوزَّعُ روحُه في جَسَدِه، وهو كِنايةٌ عن شِدَّةِ الرُّعبِ والفزَعِ، وكَأنَّها تُريدُ الهَرَبَ عِندَ سَماعِ هذه الجُملةِ، ولَكِن لا مَناصَ، قال: فتَخرُجُ، فيَنقَطِعُ مَعَها العُروقُ والعَصَبُ، كما يُنزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبلولِ بالماءِ.

والسَّفُّودُ: حَديدةٌ ذاتُ شُعَبٍ يُشوى بها اللَّحمُ، فكَما يَبقى مَعَها بَقيَّةٌ مِنَ المَحروقِ كذلك يَصحَبُها عِندَ الجَذبِ شَيءٌ مِنَ الصُّوفِ المَبلولِ، وهو كِنايةٌ عن تَمزيقِ جِسمِه وصُعوبةِ خُروجِ روحِه.

فيَأخُذُها مَلَكُ المَوتِ، فإذا أخَذَها لَم يَدَعوها -أي المَلائِكةُ الذينَ مَعَ مَلَكِ المَوتِ- في يَدِ مَلَكِ المَوتِ طَرْفةَ عَينٍ، أي: لَحظةً ولَمحةً، حتَّى يَأخُذوها ويَجعَلوها في تلك المُسوحِ التي مِنَ النَّارِ، فيَخرُجُ مِن رُوحِه كَأنتَنِ ريحِ جيفةٍ وُجِدَت على ظَهرِ الأرضِ، أي: تَكونُ رائِحةُ رُوحِه مُنتِنةً كرائِحةِ جيفةٍ قَذِرةٍ، فيَصعَدونَ برُوحِه إلى السَّماءِ، فلا يَمُرُّونَ بها على مَلَأٍ، أي: جَماعةٍ مِنَ المَلائِكةِ، إلَّا قالوا: ما هذا الرُّوحُ الخَبيثُ؟! أي: لمَن هذه الرُّوحُ الخَبيثةُ التي تنبَعِثُ مِنها هذه الرَّائِحةُ النَّتِنةُ، فيَقولونَ: فلانُ بنُ فُلانٍ، بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسَمَّى بها في الدُّنيا، حتَّى يُنتَهى برُوحِه إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَستَفتِحونَ، أي: يَطلُبونَ ويَستَأذِنونَ أن يُفتَحَ لَهم بابُ السَّماءِ، فلا يُفتَحُ له، ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِصداقًا لذلك قَولَه تعالى: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] ، أي: حتَّى يَدخُلَ البَعيرُ في خَرقِ الإبرةِ، ويَقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: اكتُبوا كِتابَ عَبدي في سِجِّينٍ في الأرضِ السُّفلى.

وسِجِّينٌ: هو الحَبسُ والضِّيقُ؛ فإنَّ المَخلوقاتِ كُلُّ ما تسافَل مِنها ضاقَ، وكُلُّ ما تعالى مِنها اتَّسَعَ، وأعيدوه إلى الأرضِ؛ فإنِّي مِنها خَلَقتُهم وفيها أُعيدُهم، ومِنها أُخرِجُهم تارةً، أي: مَرَّةً أُخرى، فتُطرَحُ رُوحُه طَرحًا، أي: تُلقى وتُرمى رَميًا، ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِصداقَ ذلك في كِتابِ اللهِ تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ} أي: سقَط من السَّماءِ، {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} أي: تُقَطِّعُه الطُّيورُ في الهَواءِ {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] ، أي: بَعيدٍ مُهلِكٍ، وهو يَنطَبقُ على ما يُفعَلُ بروحِ الكافِرِ؛ لأنَّها تُرمى مِنَ السَّماءِ إلى ما أعَدَّه اللهُ لَها مِنَ العَذابِ والشَّقاءِ؛ ولذلك استَشهَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالآيةِ، ثُمَّ تُعادُ روحُه في جَسَدِه، أي: في القَبرِ، ثُمَّ يَأتيه المَلكانِ فيُجلسانِه فيَقولانِ له: مَن رَبُّك؟ فيَقولُ: ها ها! وهيَ كَلِمةٌ يَقولُها المُتَحَيِّرُ الذي لا يَقدِرُ مِن حَيرَتِه للخَوفِ أو لعَدَمِ الفصاحةِ أن يَستَعمِلَ لسانَه في فيه، أو يَقولُها المُتَوجِّعُ الذي يَتَوجَّعُ لعَدَمِ مَعرِفةِ الجَوابِ ولِما حَصَلَ له مِنَ الارتِباكِ والخَوفِ وسوءِ العاقِبةِ، لا أدري، أي: شَيئًا ما أو ما أُجيبُ به، وهذا كَأنَّه بَيانٌ لقَولِه: ها ها، فيَقولانِ له: وما دينُك؟ فيَقولُ: ها ها! لا أدري، فعِندَ ذلك يُنادي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أَفرِشوا له مِنَ النَّارِ، أي: اجعَلوا فَرْشَ قَبرِه مِنَ النَّارِ، وألبِسوه مِنَ النَّارِ، أي: اجعَلوا مَلابِسَه مِنَ النَّارِ، وافتَحوا له، أي: في قَبرِه بابًا إلى النَّارِ حتَّى يَرى مَقعَدَه فيها، فيَأتيه مِن حَرِّها، أي: لَهَبِ النَّارِ، وسَمومِها.

وهيَ الرِّيحُ الحارَّةُ، ويُضَيَّقُ -مِنَ التَّضييقِ- عليه قَبرُه حتَّى تَختَلِفَ أضلاعُه.

جَمعُ ضِلعٍ، وهو عَظمُ الجَنبِ، أي: حتَّى يَدخُلَ بَعضُها في بَعضٍ مِن شِدَّةِ التَّضييقِ والضَّغطةِ، ثُمَّ يَأتيه رَجُلٌ قَبيحُ الوجهِ وقَبيحُ الثِّيابِ، فيَقولُ له: أبشِرْ بالذي يَسوؤك، أي: لَك البُشرى بما يَسوؤك، فهذا يَومُك الذي كُنتَ توعَدُ، أي: الذي وعَدَك اللهُ به وذَكَرَه في القُرآنِ لمَن كَذَّبَ وعَصى، فيَقولُ: مَن أنتَ؟ فوَجهُك الوَجهُ الذي يَجيءُ بالشَّرِّ، فيَقولُ: أنا عَمَلُك الخَبيثُ، أي: تُمَثَّلُ له أعمالُه الخَبيثةُ بصورةِ رَجُلٍ خَبيثِ الوَجهِ خَبيثِ الرِّيحِ، فمِن شِدَّةِ خَوفِه يَتَمَنَّى ألَّا تَقومَ السَّاعةُ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ مَصيرَه إلى النَّارِ وبئسَ القَرارُ، فيَقولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ، رَبِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ؛ وذلك لأنَّ العَذابَ فيها أشَدُّ وأشَدُّ.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَشييعِ الجِنازةِ.

وفيه خُروجُ كَبيرِ القَومِ مَعَ أصحابِه لتَشييعِ الجِنازةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ المَوعِظةِ عِندَ القَبرِ.

وفيه شِدَّةُ تَوقيرِ الصَّحابةِ لمَجلِسِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مَشروعيَّةُ الضَّربِ بالعودِ في الأرضِ إذا كان الإنسانُ مُتَفكِّرًا بشَيءٍ أو مَهمومًا.

وفيه الإيمانُ بفِتنةِ القَبرِ.

وفيه الأمرُ بالاستِعاذةِ مِن عَذابِ القَبرِ.

وفيه تَكريرُ الاستِعاذةِ والدُّعاءِ مِمَّا يُخافُ منه.

وفيه إثباتُ نَعيمِ القَبرِ.

وفيه إثباتُ عَذابِ القَبرِ.

وفيه أنَّ مَلَكَ المَوتِ له أعوانٌ ومُساعِدونَ.

وفيه صِفةُ المَلائِكةِ الذينَ يَنزِلونَ لقَبضِ الرُّوحِ.

وفيه أنَّ الرُّوحَ لَها صِفاتٌ فتَخرُجُ وتَصعَدُ وتَذهَبُ وتَجيءُ.

وفيه سُهولةُ خُروجِ روحِ المُؤمِنِ.

وفيه أنَّ الرُّوحَ تُكَفَّنُ وتُحَنَّطُ مِثلَ الجَسَدِ.

وفيه مَحَبَّةُ المَلائِكةِ لرُوحِ المُؤمِنِ.

وفيه اهتِمامُ مَلائِكةِ السَّماءِ بروحِ المُؤمِنِ.

وفيه إثباتُ صِفةِ العُلوِّ للهِ تعالى.

وفيه إثباتُ صِفةِ الكَلامِ للهِ تعالى.

وفيه إثباتُ السُّؤالِ في القَبرِ.

وفيه أنَّ أحوالَ البَرزَخِ في القَبرِ تَختَلفُ عَمَّا نُشاهِدُه.

وفيه تَمَثُّلُ الأعمالِ وهيَ مَعنَويَّةٌ بأُمورٍ حِسِّيَّةٍ مُشاهَدةٍ.

وفيه فرَحُ المُؤمِنِ بما يُلاقيه في قَبرِه حتَّى يَتَمَنَّى قيامَ السَّاعةِ.

وفيه شِدَّةُ خُروجِ روحِ الكافِرِ.

وفيه بُغضُ المَلائِكةِ لروحِ الكافِرِ.

وفيه الدُّعاءُ على روحِ الكافِرِ بالسَّخَطِ والغَضَبِ.

وفيه خُبثُ ريحِ الكافِرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ تَأييدِ الأحاديثِ والاستِشهادُ لَها مِنَ القُرآنِ.

وفيه شِدَّةُ عَذابِ الكافِرِ في قَبرِه حتَّى يَتَمَنَّى عَدَمَ قيامِ السَّاعةِ .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (30/ 499) 18534 - حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب ، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين، أو ثلاثا، ، ثم قال: " إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ".

قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال: " فيصعدون بها، فلا يمرون، يعني بها، على ملإ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى ".

قال: " فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة ".

قال: فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره .

قال: " ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي ".

قال: " وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب ".

قال: " فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة [ص:502] عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له "، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا .

ثم قرأ: {ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] " فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك [ص:503] الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة "

18535 - حدثنا ابن نمير، حدثنا الأعمش، حدثنا المنهال بن عمرو، عن أبي عمر زاذان، قال: سمعت البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا معه، فذكر نحوه، وقال فينتزعها تتقطع معها العروق والعصب قال أبي: وكذا قال زائدة

18536 - حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا سليمان الأعمش، حدثنا المنهال بن عمرو، حدثنا زاذان، قال: قال البراء: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جنازة رجل من الأنصار، فذكر معناه إلا أنه قال: وتمثل له رجل حسن الثياب، حسن الوجه ، وقال في الكافر: وتمثل له رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب

المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 93) 107 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي، ثنا الأعمش، ثنا المنهال بن عمرو، وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ أبو معاوية، عن الأعمش، ثنا المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمر، قال: سمعت البراء بن عازب ، يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، قال: فقعدنا حول النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثم قال: إن الرجل المسلم إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا جاء ملك الموت فقعد عند رأسه، وينزل ملائكة من السماء كأن وجوههم الشمس معهم أكفان من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، فيقعدون منه مد البصر قال: " فيقول ملك الموت: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان " قال: " فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فلا يتركونها في يده طرفة عين، فيصعدون بها إلى السماء، فلا يمرون بها على جند من ملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه، فإذا انتهى إلى السماء فتحت له أبواب السماء، ثم يشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى إلى السماء السابعة، ثم يقال: اكتبوا كتابه في عليين، ثم يقال: أرجعوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فترد روحه إلى جسده، فتأتيه الملائكة فيقولون: من ربك؟ قال: فيقول: الله، فيقولون: ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولون: ما هذا الرجل الذي خرج فيكم؟ قال: فيقول: رسول الله، قال: فيقولون: وما يدريك؟ قال: فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، قال: فينادي مناد من السماء أن صدق فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وأروه منزله من الجنة، قال: ويمد له في قبره ويأتيه روح الجنة وريحها، قال: فيفعل ذلك بهم، ويمثل له رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك وجه يبشر بالخير؟ قال: فيقول أنا عملك الصالح، قال: فهو يقول: رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي، ثم قرأ {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] .

وأما الفاجر فإذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتاه ملك الموت فيقعد عند رأسه وينزل الملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيقعدون منه مد البصر، فيقول ملك الموت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينقطع معها العروق والعصب كما يستخرج الصوف المبلول بالسفود ذي الشعب، قال: فيقومون إليه فلا يدعونه في يده طرفة عين فيصعدون بها إلى السماء فلا يمرون على جند من الملائكة إلا، قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ قال: فيقولون: فلان بأقبح أسمائه، قال: فإذا انتهي به إلى السماء غلقت دونه أبواب السماوات، قال: ويقال اكتبوا كتابه في سجين، قال: ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فيرمى بروحه حتى تقع في جسده، قال: ثم قرأ {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] قال: فتأتيه الملائكة فيقولون: من ربك؟ قال: فيقول: لا أدري، فينادي مناد من السماء أن قد كذب فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وأروه منزله من النار، قال: فيضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، قال: ويأتيه ريحها وحرها، قال: فيفعل به ذلك، ويمثل له رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسؤك هذا يومك الذي كنت توعد، قال: فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يبشر بالشر، قال: فيقول: أنا عملك الخبيث، قال: وهو يقول: رب لا تقم الساعة ".

شعب الإيمان (1/ 610) 390 - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمر، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به قال: فرفع رأسه وقال:" استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن الرجل المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزلت إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، وكأن وجوههم الشمس معهم حنوط من حنوط الجنة، وكفن من كفن الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال: فتخرج نفسه فتسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذها فيجعلها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة ريح مسك، وجدت على ظهر الأرض فلا يمرون بملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه الذي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: اكتبوا عبدي في عليين في السماء السابعة، وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله عز وجل فآمنت به وصدقت، قال: فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا من الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له: أبشر بالذي يسرك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال وأما العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه ومعهم المسوح حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يأتيه ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه".

قال:" فتفرق في جسده فينتزعها، ومعها العصب والعروق كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذونها فيجعلونها في تلك المسوح".

قال:" ويخرج منها أنتن من جيفة وجدت على وجه الأرض فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تفتح لهم أبواب السماء} [الأعراف: 40] إلى آخر الآية قال: فيقول الله تبارك وتعالى: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السابعة السفلى، وأعيدوه إلى الأرض فإنا منها خلقناهم، وفيها نعيدهم، ومنها نخرجهم تارة أخرى".

قال:" فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} [الحج: 31] الآية، ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا من النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه".

قال:" ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد".

قال:" فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجي بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة" قال البيهقي رحمه الله:" هذا حديث صحيح الإسناد، وقد ذكرنا سوى هذا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر وغيرهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم" ورواه عيسى بن المسيب، عن عدي بن ثابت، عن البراء، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه اسم الملكين فقال في ذكر المؤمن:" فيرد إلى مضجعه فيأتيه منكر، ونكير يثيران الأرض بأنيابهما، ويلحقان الأرض بأشفاههما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه، ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ فذكره وقال في ذكر الكافر:" فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويلحقان الأرض بأشفاهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه، ثم يقولان له: يا هذا من ربك؟ فيقول: لا أدري فينادى من جانب القبر: لا دريت ويضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها يشتعل منها قبره نارا ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه"

391 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عيسى بن المسيب، حدثني عدي بن ثابت فذكره يزيد وينقص قال البيهقي رحمه الله:" وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اسم الملكين كذلك وروينا في الحديث الثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور""

أحاديث ذات صلة