سأَلْتُ ابنَ عبَّاسٍ عنها فقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا نزَل مَرَّ الظَّهرانِ في صلحِ قريشٍ بلَغ أصحابَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ قريشًا كانت تقولُ: تُبايِعونَ ضعفاءَ قال أصحابُه: يا رسولَ اللهِ لو أكَلْنا مِن ظهرِنا فأكَلْنا مِن شحومِها وحسَوْنا مِن المرَقِ فأصبَحْنا غدًا حتَّى ندخُلَ على القومِ وبنا جِمامٌ ؟ قال: ( لا ولكنِ ائتوني بفضلِ أزوادِكم ) فبسَطوا أنطاعَهم ثمَّ جمَعوا عليها مِن أطعماتِهم كلِّها فدعا لهم فيها بالبركةِ فأكَلوا حتَّى تضلَّعوا شِبعًا فأكفَتوا في جُرَبِهم فضولَ ما فضَل منها فلمَّا دخَل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على قريشٍ واجتَمَعت قريشٌ نحوَ الحِجْرِ اضطبَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه: ( لا يرى القومُ فيكم غَميزةً ) واستلَم الرُّكنَ اليَمانيَ وتغيَّبَت قريشٌ، مشى هو وأصحابُه حتَّى استلَموا الرُّكنَ الأسودَ فطاف ثلاثةَ أطوافٍ فلذلك تقولُ قريشٌ وهم يمرُّونَ بهم يرمُلون: لكأنَّهم الغِزلانُ قال ابنُ عبَّاسٍ: وكانت سُنَّةً

الدلالات الموضوعية:# مغازي - صلح الحديبية# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - معجزات النبي# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - بركة النبي# حج - استلام الركن اليماني# حج - الاضطباع في الطواف
المصدر: تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أبو عوانة في ((المسند)) (3461)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (4/120) باختلاف يسير

الشرح والتوضيح

أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :لَمَّا نزلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ في عُمرتِه بلغ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ قُريشًا تقولُ : ما يتباعَثون من العَجَفِ فقال أصحابُهُ : لو انتَحرْنا من ظَهْرنِا فأَكَلنا من لحمِهِ وحسوْنا من مرَقِهِ أصبحنا غدًا حينَ ندخلُ على القومِ وبنا جَمامةٌ قال : لا تفعلوا ولكن اجمعوا إليَّ من أزوادِكم فجمعوا له وبَسَطوا الأنْطاعَ فأكَلُوا حتى تَوَلَّوْا وحَثَا كلُّ واحدٍ منهم في جِرابِه ثم أقبلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى دخل المسجدَ وقعدتْ قريشٌ نحوَ الحِجْرِ فاضْطَبعَ بردائِهِ ثم قال : لا يَرى القومُ فيكم غَمِيزةً فاستلم الرُّكنَ ثم دخل حتى إذا تَغَيَّبَ بالركنِ اليمانيِّ مَشَى إلى الركنِ الأسودِ فقالتْ قريشٌ : ما يَرضَون بالمشْي إنَّهم لَيَنْقُزون نَقْزَ الظِّباءِ ففعل ذلك ثلاثةَ أطوافٍ فكانت سُنَّةٌ قال أبو الطُّفَيْلِ : وأخبَرَني ابنُ عباسٍ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فعل ذلك في حَجَّةِ الوداعِ الراوي : عبدالله بن عباس المحدث : أحمد شاكر المصدر : تخريج المسند لشاكر الصفحة أو الرقم: 4/277 خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح التخريج : أخرجه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (82) واللفظ له، وابن حبان (6531)، وأبو عوانة في ((المستخرج)) (3921) بنحوه.

الإسلامُ دينُ العِزَّةِ والرِّفعةِ، وهو الدِّينُ الحَقُّ؛ قال اللهُ تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عِمرانَ: 19] ، فالمُسلِمُ عَزيزٌ بعِزَّةِ هذا الدِّينِ؛ فلا يَنبَغي أن يَرى الأعداءُ مِنه قُصورًا أو ضَعفًا أو كَسَلًا، بَل يُريهمُ الشِّدَّةَ والقُوَّةَ والتَّحَمُّلَ والصَّبرَ حَتَّى لا يَطمَعَ الأعداءُ في المُسلِمينَ، وهذا ما فعَلَه الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما قَدِموا مَكَّةَ مُعتَمِرينَ، وكان كُفَّارُ قُرَيشٍ يَقولونَ عن المُسلمينَ: إنَّهم قد أضعَفَتهم حُمَّى المَدينةِ فلَن يَستَطيعوا الطَّوافَ حَولَ البَيتِ، فأمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّحابةَ أن يَسعَوا في الأشواطِ الثَّلاثةِ حَولَ الكَعبةِ ويَمشوا ما بَينَ الرُّكنَينِ؛ ليَرى المُشرِكونَ جَلَدَهم، أي: قُوَّتَهم وصَبرَهم، فعِندَ ذلك تَعَجَّب الكُفَّارُ مِن ذلك.

يَقولُ عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا نَزَل مَرَّ الظَّهرانِ.

وهو وادٍ قُربَ مَكَّةَ على مَسافةِ 22 كم، وعِندَ الوادي قَريةٌ يُقالُ لَها مَرٌّ تُضافُ إلى الوادي، فيُقالُ: مَرُّ الظَّهرانِ، في عُمرَتِه، أي: في العُمرةِ التي جاءَ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في السَّنةِ التي بَعدَ صُلحِ الحُدَيبيَةِ، وكان النَّبيّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد قاضى كُفَّارَ قُرَيشٍ في صُلحِ الحُدَيبيَةِ ألَّا يَعتَمِرَ تلك السَّنةَ بل السَّنةَ التي بَعدَها.

فبَلَغَ أصحابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ قُرَيشًا تَقولُ عنهم: ما يتباعَثون، أي: يَقومونَ، مِنَ البَعثِ، وأصلُه الإثارةُ، يُقالُ: انبَعَثَ الشَّيءُ وتَبعَّثَ، أي: اندَفعَ، مِنَ العَجَفِ، أي: الهُزالِ وذَهابِ السِّمَنِ، فقال الصَّحابةُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا رَسولَ اللهِ، لَوِ انتَحَرْنا، أي: لَو نَحَرْنا، مِن ظَهرِنا، أي: إبِلِنا فأكَلنا مِن لَحمِه وحَسَونًا، أي: شَرِبْنا مِن مَرَقِه، أصبَحنا غَدًا حينَ نَدخُلُ على القَومِ، أي: كُفَّارِ قُرَيشٍ، وبنا جَمامةٌ، أي: راحةٌ وشِبَعٌ ورِيٌّ.

فقال رَسولُ اللهِ: لا تَفعَلوا، أي: لا تَنحَروا الإبلَ، ولَكِنِ اجمَعوا إلَيَّ مِن أزوادِكُم، أي: طَعامِكُم، فجَمَعوا له وبَسَطوا الأنطاعَ، جَمعُ نِطعٍ، وهو بِساطٌ مِن جِلدٍ يُجعَلُ كالمائِدةِ، فأكَلوا حَتَّى تَولَّوا، أي: انصَرَفوا مِنَ الأكلِ وقد شَبِعوا، وحَثا، أي: مَلَأ بيَدَيه كُلُّ واحِدٍ مِنهم في جِرابِه.

والجِرابُ وِعاءٌ مِن جِلدٍ.

والمَعنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَأ جِرابَه مِمَّا بَقيَ مِنَ الطَّعامِ؛ لِما حَصَلَ فيه مِنَ البَرَكةِ بسَبَبِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ثُمَّ أقبَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى دَخَلَ المَسجِدَ، أي: المَسجِدَ الحَرامَ، وقد قَعَدَت قُرَيشٌ نَحوَ الحِجرِ.

فاضطَبَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم برِدائِه.

والاضطِباعُ: أن يَأخُذَ الرِّداءَ فيَجعَلَ وَسَطَه تَحتَ إبْطِه الأيمَنِ، ويُلقيَ طَرَفَيه على كَتِفِه الأيسَرِ مِن جِهَتي صَدرِه وظَهرِه، ثُمَّ قال للصَّحابةِ: لا يَرى القَومُ فيكُم غَميزةً، أي: عَيبًا أو نَقيصةً أو مَطعَنًا، وقيلَ: لا يَرَونَ فيكُم ضَعفًا يَطمَعونَ به في مُحارَبَتِكُم، فاستَلَمَ رَسولُ اللهِ الرُّكنَ، أي: الحَجَرَ الأسودَ، ثُمَّ دَخَلَ، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والصَّحابةُ مَعَه في الطَّوافِ يَرمُلون.

والرَّمَلُ: السَّعيُ مَعَ تَقارُبِ الخُطى، حَتَّى إذا تَغَيَّبَ بالرُّكنِ اليَماني، أي: بأنِ اختَفى عن أنظارِ قُرَيشٍ مَشى إلى الرُّكنِ الأسوَدِ.

بحَيثُ لا تَراهم قُرَيشٌ في هذا المَكانِ.

فقالت قُرَيشٌ: ما يَرضَونَ، أي: الصَّحابةُ بالمَشيِ، إنَّهم ليَنقُزون نَقْزَ الظِّباءِ! أي: يَقفِزونَ ويَثِبونَ كما تَقفِزُ الظِّباءُ.

والمَعنى: أنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ تَعَجَّبوا مِن صَنيعِ الصَّحابةِ وشِدَّةِ سَعيِهم، وقد كانوا يَظُنُّونَ بهمُ الضَّعفَ والهُزالَ.

ففعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه ذلك ثَلاثةَ أشواطٍ، وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَثِبونَ، أي: يرمُلون، فكانت سُنَّةً، أي: أصبَحَت شِدَّةُ السَّعيِ والرَّمَلُ في الأشواطِ الثَّلاثةِ سُنَّةً باقيةً، وإن كان سَبَبُها هو ما قالته قُرَيشٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والصَّحابةِ؛ ولهذا فعَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَجَّةِ الوداعِ، وقد زالَ السَّبَبُ فلَم يَكُنْ فيها مُشرِكٌ.

يَقولُ أبو الطُّفَيلِ، وهو أحَدُ الرُّواةِ مِنَ التَّابِعينَ مِن تَلاميذِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: وأخبَرَني ابنُ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعَلَ ذلك في حَجَّةِ الوداعِ، أي: فعَلَ الإسراعَ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولى حَولَ الكَعبةِ.

وفي الحَديثِ شِدَّةُ بُغضِ الكُفَّارِ للمُسلِمينَ.

وفيه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وما جَعَلَ اللَّهُ مِنَ البَرَكةِ على يَدَيه.

وفيه أنَّ على المُسلمِ ألَّا يُريَ الكُفَّارَ فيه عَيبًا أو ضَعفًا، بَل يُريهمُ القوَّةَ والتَّحَمُّلَ.

وفيه مَشروعيَّةُ السَّعيِ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولى حَولَ الكَعبةِ.

وفيه بَيانُ سَبَبِ السَّعيِ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولى حَولَ الكَعبةِ .

الأصول والأحكام

مسند أبي عوانة (2/ 367) 3461 حدثنا أبو علي الزعفراني نا يحيى بن سليم نا عبد الله بن عثمان ابن خثيم عن أبي الطفيل عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر في صلح قريش بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول ما نتابع أصحاب محمد ضعفا وهزلا وقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لو انتحرنا ظهرنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا غدونا عليهم وبنا عليهم جمام قال لا ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم فبسطوا أنطاعهم ثم صبوا عليها فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم ثم غدوا على القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يرى القوم فيكم غميزة ) فاضطبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ورملوا ثلاثة أشواط ومشوا أربعة فكانت قريش والمشركون في الحجر عند دار الندوة وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تغيبوا منهم عند الركن اليماني والأسود مشوا ثم يطلعوا عليهم تقول قريش والله لكأنهم الغزلان فكانت سنة * باب بيان اليوم الذي فيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وإلى منى ومقدار مقامه بمنى وأنه دفع من منى يوم عرفة لما طلعت الشمس فلم يزل بالمشعر وجازه حتى نزل بنمرة في قبة ضربت له من شعر وهي عرفات وأنه لما زاغت الشمس ركب راحلته وأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يتطوع بينهما ثم ركب حتى أتى الموقف واستقبل القبلة ووقف حتى غربت الشمس والدليل على أن السنة في المهل بالحج من مكة أن يهل يوم التروية قبل صلاة الظهر ويخرج فيصلى الظهر بمنى

دلائل النبوة للبيهقي (4/ 120) :

وحدثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال: أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر في صلح قريش قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لو انتحرنا من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا غدونا عليهم وبنا جمام قال لا ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم، فبسطوا أنطاعا، ثم صبوا عليها فضول ما فضل من أزوادهم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم

أحاديث ذات صلة