أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ رأى رَجُلًا يَمْشي في نَعْلَينِ بَيْنَ القُبورِ، فقالَ: يا صاحِبَ السِّبْتِيَّتَينِ أَلْقِهما.
ما اسمُكَ ؟ فَقالَ : زحم ، قالَ : بل ، أنتَ بَشيرٌ ، قالَ : بينَما أَنا أُماشي رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ مرَّ بقُبورِ المشرِكينَ ، فَقالَ : لقَد سبقَ هؤلاءِ خَيرًا كثيرًا ثلاثًا ثمَّ مرَّ بقُبورِ المسلِمينَ ، فقالَ : لقَد أدرَكَ هؤلاءِ خيرًا كثيرًا ثم حانَت من رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ نظرةٌ ، فإذا رجلٌ يمشي في القُبورِ عليهِ نَعلانِ ، فقالَ : يا صاحبَ السِّبتيَّتينِ ، ويحَكَ ويحَكَ ألقِ سبتيَّتيكَ فنَظرَ الرَّجُلُ فلمَّا عرفَ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ خلعَهُما فرَمَى بِهِما .
الراوي : بشير مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المحدث : الوادعي المصدر : الصحيح المسند الصفحة أو الرقم: 181 خلاصة حكم المحدث : صحيح زيارةُ القُبورِ مِن سُنَنِ الشَّريعةِ؛ فقد كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكثِرُ مِن زيارةِ القُبورِ، بَل أمَرَ بذلك وقال: زوروا القُبورَ؛ فإنَّها تُذَكِّرُكمُ الآخِرةَ، ولزيارةِ المَقابرِ أحكامٌ وآدابٌ، ومِن تلك الآدابِ عَدَمُ المَشيِ بَينَ القُبورِ بالنِّعالِ لِما فيه مِنَ الأذيَّةِ للأمواتِ؛ ففي الحَديثِ أنَّ بَشيرًا مَولى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو بَشيرُ بنُ الخَصاصِيَةِ، وكان اسمُه في الجاهليَّةِ زَحْمًا، فلَمَّا هاجَرَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سَألَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ اسمِه، فقال له: ما اسمُك؟ فقال بَشيرٌ: زَحْمٌ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَل أنتَ بَشيرٌ، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَيَّر اسمَه مِن زَحْمٍ إلى بَشيرٍ، وكان مِن هَدْيِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَغييرُ الأسماءِ القَبيحةِ أو التي فيها مُخالَفةٌ شَرعيَّةٌ إلى أسماءٍ حَسَنةٍ، والزَّحمُ هو الازدِحامُ والتَّدافُعُ والحَشدُ.
يَقولُ بَشيرٌ: بَينَما أنا أُماشي رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أمشي وأسيرُ مَعَه، مَرَّ بقُبورِ المُشرِكينَ، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّ على مَكانٍ فيه قُبورٌ لمُشرِكينَ، فقال: لَقد سَبَقَ هؤلاء خَيرًا كَثيرًا، ثَلاثًا، أي: فاتَهم خَيرٌ كَثيرٌ، وهو الإسلامُ؛ حَيثُ إنَّهم ماتوا على الشِّركِ ولَم يُدرِكوا الإسلامَ.
وقيلَ: سَبَقوا أفعالَ الخَيرِ الكَثيرِ التي تَرَكوها في حَياتِهم وفاتوها وسارَعوا إلى أفعالٍ لا خَيرَ فيها وأدرَكوها، والتَّكرارُ للتَّأكيدِ والتَّنفيرِ مِنَ التَّخَلُّقِ بما كانوا عليه.
ثُمَّ مَرَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقُبورِ المُسلمينَ، فقال: لَقد أدرَكَ هؤلاء خَيرًا كَثيرًا، أي: حصَّلوا كَثيرًا مِنَ الخَيرِ، فإنَّهم أدرَكوا الإسلامَ وآمَنوا.
أو أنَّهم لَحِقوا أفعالَ الخَيرِ فسارَعوا إليها في حَياتِهم فلَحِقوها وحَصَّلوها.
ثُمَّ حانَت، أي: قَرُبَت ووقَعَت، مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَظرةٌ، أي: لَمَحَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو عِندُ قُبورِ المُسلمينَ، فإذا رَجُلٌ يَمشي في القُبورِ، أي: بَينَ القُبورِ، عليه نَعلانِ، أي: على رِجلَيه حِذاءٌ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا صاحِبَ السِّبْتيَّتَينِ.
وهما نَعلانِ لا شَعرَ عليهما، والنِّعالُ السِّبتيَّةُ هيَ التي تُصنَعُ مِن جُلودِ البَقَرِ المَدبوغِ، وسُمِّيَت بذلك لأنَّ شَعرَها قد سُبِت عنها، أي: حُلِق وأُزيلَ، أي: يا صاحِبَ النِّعالِ، وَيحَك وَيحَك! وهيَ كَلِمةُ تَرَحُّمٍ وإشفاقٍ، ألقِ سِبتيَّتَيك، أي: اخلَعْهما، فنَظَر الرَّجُلُ، فلَمَّا عَرَف رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: عَرَف أنَّ الذي يُكَلِّمُه هو رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، خَلعهما فرَمى بهما، أي: خَلَعَ نَعلَيه ورَماهما امتِثالًا لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وقيلَ في سَبَبِ أمرِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجُلِ بخَلعِ نَعلَيه: احتِرامًا للمَقابرِ، وقيلَ: لاحتِمالِ أنَّه كان بهما قَذَرٌ أو لاختيالِه بهما؛ لأنَّ النِّعالَ السِّبتيَّةَ إنَّما يَلبَسُها أهلُ التَّرَفُّهِ والتَّنَعُّمِ، فأحَبَّ صَلَّى اللهُ تعالى عليه وسَلَّمَ أن يَكونَ دُخولُ المَقابرِ على زيِّ التَّواضُعِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ سُؤالِ الشَّخصِ عنِ اسمِه.
وفيه مَشروعيَّةُ تَغييرِ الأسماءِ القَبيحةِ إلى أسماءٍ حَسَنةٍ.
وفيه تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فضلُ الإسلامِ.
وفيه فضلُ مَن ماتَ على الإسلامِ.
وفيه مَشروعيَّةُ نِداءِ مَن لا يُعرَفُ اسمُه بعِبارةٍ لا يَتَأذَّى بها ولا يَكونُ فيها كَذِبٌ.
وفيه احتِرامُ القُبورِ والنَّهيُ عنِ المَشيِ فيها بالنِّعالِ.
وفيه مُسارَعةُ الصَّحابةِ لامتِثالِ أوامِرِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .