لا توقِدوا نارًا بلَيلٍ فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ قالَ : أوقِدوها واصطَنِعوا فإنَّه لا يدرِكُ قَومٌ بعدَكُم صاعَكُم ولا مُدَّكُم .
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ بالحُدَيْبيَةِ فقالَ: «لا توقِدوا نارًا بلَيلٍ»، فلمَّا كانَ بعدَ ذلك، قالَ: «أوْقِدوا واصْطَنِعوا، أمَا أنَّه لا يُدرِكُ قَومٌ بَعدَكم صاعَكم ولا مُدَّكم».
الراوي : أبو سعيد الخدري المحدث : الحاكم المصدر : المستدرك على الصحيحين الصفحة أو الرقم: 4389 خلاصة حكم المحدث : صحيح الإسناد التخريج : أخرجه أحمد (11208)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (8804) كلاهما بلفظه ، وأبو يعلى (984) بلفظ مقارب.
لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ، وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، ولمَّا انتَصَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المُشرِكينَ وعَلى اليَهودِ في عِدَّةِ غَزَواتٍ، وأصبَحَ للمُسلمينَ مَهابةٌ عِندَ كَثيرٍ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرةِ أرادَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه أن يَذهَبوا إلى مَكَّةَ لأداءِ العُمرةِ، لا سيَّما وأنَّهم قد صُدُّوا ومُنِعوا مِنها لسَنَواتٍ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أُرِيَ في المَنامِ أنَّه دَخَلَ هو وأصحابُه المَسجِدَ الحَرامَ وطافوا واعتَمَروا؛ ولذا لَمَّا كانتِ السَّنةُ السَّادِسةُ للهِجرةِ خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى نَزَلَ في مَكانٍ يُقالُ له الحُدَيبيَةُ، وهيَ مِنطَقةٌ على بُعدِ (22) كَيلًا غَربَ مَكَّةَ، ولمَّا عَلِمَت قُرَيشٌ بخُروجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اجتَمَعَ رَأيُها على أن تَصُدَّه وتَمنَعَه، ثُمَّ بَعدَ أحداثٍ تَمَّ الاتِّفاقُ على الصُّلحِ بَينَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكُفَّارِ قُرَيشٍ، وسُمِّي ذلك الصُّلحُ بصُلحِ الحُدَيبيةِ، ولمَّا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحُدَيبيةِ قال لأصحابِه: لا تُوقِدوا نارًا بلَيلٍ، وقيلَ في ذلك: إمَّا خَوفًا مِن رُؤيةِ العَدوِّ إيَّاهم، فلَمَّا كان بَعدَ ذلك، أي: بَعدَ أن تَمَّ الصُّلحُ وأمِنَ مِنَ العَدوِّ، قال: أوقِدوا، أي: نارَكُم، واصطَنِعوا، أي: اتَّخِذوا صَنيعًا، أي: طَعامًا تُنفِقونَه في سَبيلِ اللهِ.
وقيلَ: إنَّه قال لَهم: لا توقِدوا نارًا بلَيلٍ؛ وذلك لضَعفِ حالِهم يَومَئِذٍ، فبَيَّنَ أنَّ اللَّيلَ يَمضي غالبُه في النَّومِ فلا يُحِسُّ الإنسانُ فيه بألَمِ الجوعِ فلا حاجةَ فيه إلى الطَّبخِ، ثُمَّ لَمَّا وسَّعَ اللَّهُ تعالى عليهم رَخَّصَ لَهم في ذلك، ثُمَّ بَيَّن صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَضلَ أصحابِ الحُدَيبيةِ، فقال: أمَا إنَّه لا يُدرِكُ قَومٌ بَعدَكُم -أي: مَن يَأتي بَعدَكُم- صاعَكُم -والصَّاعُ: يُعادِلُ أربَعةَ أمدادٍ، ومِقدارُه حاليًّا 2.176 كيلوغرام- ولا مُدَّكُم، والمُدَّ: هو مِلءُ كَفَّيِ الإنسانِ المُعتَدِلِ إذا مَلَأهما ومَدَّ يَدَه بهما، أي: لا يُدرِكُ أحَدٌ أجرَ صاعِكُم ولا مُدِّكُم، والمَعنى: أنَّه لَن يَأتيَ أحَدٌ بَعدَكُم فيَكونَ أفضَلَ مِنكُم، كما في قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلَو أنَّ أحَدَكُم أنفقَ مِثلَ أحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهم ولا نَصيفَه.
وفي الحَديثِ فَضلُ أصحابِ الحُدَيبيَةِ.
وفيه تَفقُّدُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورِعايَتُه لأصحابِه.
وفيه مَشروعيَّةُ إيقادِ النَّارِ باللَّيلِ .