أتَيتُ النَّبيَّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِه وسلَّمَ – فصعَّدَ فيَّ النَّظرَ وصَوَّبَ فقُلتُ : إلامَ تدعو وعمَّ تنهَى ؟ قالَ : لا شيءَ إلَّا اللهَ والرَّحِمَ قالَ : أتَتني رسالةٌ مِن ربِّي فضِقتُ بها ذَرعًا [ورأيت] أنَّ النَّاسَ يكذِّبونَني فقيلَ لي : لتفعلَنَّ أو ليُفعَلَنَّ بكَ .
أخرجه البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (ص76)
كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في رِسالَتِه حريصًا أشدَّ الحِرصِ على أنْ يُصَدِّقَه الناسُ؛ لِمَا أتَى به مِن دِينٍ يُخالِفُ ما هم عليه مِنَ الشِّركِ وعِبادةِ الأصنامِ، وغَيرِ ذلك مِن عاداتِ الجاهِليَّةِ التي يُنكِرُها الإسلامُ، ولكِنَّ اللهَ سُبحانَه أعلَمَه أنَّ عليه الدَّعوةَ والتَّبليغَ فَقَطْ، وليس عليه هِدايةُ الناسِ.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ مالِكُ بنُ نَضلةَ الجُشَميُّ رَضيَ اللهُ عنه: "أتَيتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ" لِيَتعَرَّفَ ما يَدْعو إليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فصَعَّدَ فيَّ النَّظَرَ وصَوَّبَ"، وكَأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتفَرَّسُ فيه ويَتعَرَّفُ إليه، "فقُلتُ: إلامَ تَدْعو؟ وعَمَّ تَنْهى؟"، أي: ما حَقيقةُ دَعوَتِكَ؟ وبماذا تَأمُرُ به أنْ يُفعَلَ؟ وماذا تَنْهى عنه؛ لِيُجتَنَبَ؟ "قال: لا شَيءَ" أدعو إليه "إلَّا اللهُ" فيُعبَدُ وَحدَه بإخلاصٍ في عُبوديتِه عَزَّ وجَلَّ، ويُطرَحُ الشِّركُ، "والرَّحِمُ"، أي: وأدعو إلى صِلةِ الأرحامِ وحُسنِ العِشرةِ بَينَ الناسِ، وهي الصِّلةُ التي تَكونُ بَينَ الشَّخصِ وغَيرِه، والمُرادُ بها هنا: الأقارِبُ، ويُطلَقُ عليهم: أُولُو الأرحامِ، ثم قالَ له النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أتَتْني رِسالةٌ مِن رَبِّي" أوْحَى بها إليَّ؛ لِأُبَلِّغَها لِلناسِ، "فضِقتُ بها ذَرعًا"، فتَألَّمتُ، أو ضَجِرتُ منها، أو شَقَّ علَيَّ، وعَجَزتُ عنها؛ وذلك مِن شِدَّةِ ما لاقاه مِنَ الناسِ وإصرارِهم على الكُفرِ، " و[رأيت] أنَّ الناسَ يُكَذِّبونَني"، ففَكَّرتُ في الأمْرِ فرَأيتُ أنَّ الناسَ يُكَذِّبونَني فيما أُبَلِّغُهم به عن رَبِّي؛ ولذلك ضاقَ صَدري بهم وبأفعالِهم، وكَأنَّه يَئِسَ مِن إيمانِهم، "فقيلَ لي" وَعيدًا مِن قِبَلِ اللهِ بالوَحْيِ، "لَتَفعَلَنَّ أو لَيُفعَلَنَّ بكَ"، بمَعنى: إمَّا أنْ تُتِمَّ تَبليغَ الرِّسالةِ إلى الناسِ، وإمَّا -إنِ امتَنَعتَ- يَنتَظِرُكَ العِقابُ مِنَ اللهِ؛ لأنَّكَ لم تُبَلِّغْ رِسالةَ اللهِ، وهذا كما قالَ تَعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، وقد بَلَّغَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رِسالَتَه أتَمَّ تَبليغٍ، وجاهَدَ في سَبيلِها حتى بَلَغتْ مَشارِقَ الأرضِ ومَغارِبَها.
وفي الحَديثِ: بَيانُ شِدَّةِ ما لاقاه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن صَدِّ الكُفَّارِ وأذيَّتِهم له وصَبرِه عليهم
[خلق أفعال العباد للبخاري] (ص76) حدثنا علي، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزعراء سمعه من عمه أبي الأحوص، عن أبيه ، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصعد في النظر وصوب.
قلت: إلام تدعو؟ وعم تنهى؟ قال: ((لا شيء إلا الله والرحم))، قال: (( أتتني رسالة من ربي فضقت بها ذرعا ورويت أن الناس سيكذبونني، فقيل لي: لتفعلن أو ليفعلن بك)) وقال أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((بلغوا عني ولو آية)) وقال الزهري: ((من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم)) قال أبو عبد الله: ((وانتحل نفر هذا الكلام، فافترقوا على أنواع لا أحصيها من غير بصر، ولا تقليد يصح فأضل بعضهم بعضا، جهلا بلا حجة، أو ذكر إسناد، وكله من عند غير الله إلا من رحم ربك فوجدوا فيه اختلافا كثيرا وإذا أراد الله أن يلبسهم شيعا، ويذيق بعضهم بأس بعض، فلا مرد له فهم في ريبهم يترددون)).