قالَ صاحبٌ لي يُحدِّثُني عَن شأنِ الخوارجِ، وطَعنِهِم علَى أمرائِهِم، فحَجَجتُ، فلَقيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عَمرٍو، فقُلتُ لَهُ: أنتَ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ، وقد جعلَ اللَّهُ عندَكَ علمًا، وأُناسٌ بِهَذا العراقِ يطعَنونَ على أمرائِهِم، ويشهَدونَ عليهم بالضَّلالةِ.

فقالَ لي: أولئِكَ عليهِم لَعنةُ اللَّهِ والملائِكَةِ والنَّاسِ أجمعينَ أُتِيَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بقَليدٍ من ذَهَبٍ وفضَّةٍ، فجعلَ يقسِمُها بينَ أصحابِهِ، فقامَ رجلٌ من أَهْلِ الباديةِ فقالَ: يا محمَّدُ، واللَّهِ لئن أمرَكَ اللَّهُ أن تعدِلَ فما أراكَ أن تعدِلَ، فقالَ: ويحَكَ مَن يعدلُ عليهِ بعدي ؟ فلمَّا ولَّى قالَ: ردُّوهُ روَيْدًا.

فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ: إنَّ في أمَّتي أخًا لِهَذا يقرَأون القرآنَ لا يجاوِزُ تراقيَهُم، كلَّما خرَجوا فاقتُلوهم، ثَلاثًا ) .

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم# أشراط الساعة - إخبار النبي ما سيكون إلى يوم القيامة# اعتصام بالسنة - الخوارج والمارقين# حدود - قتل الخوارج وأهل البغي
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عبدالله بن عمرو
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

ذَكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه سيَخرُجُ بعدَه خوارجُ يُقاتِلون أهلَ الإسلامِ، وذكَرَ صِفاتَهم وعلامَتَهم، وقد وقَعَ بعضُ ذلك في عهْدِ الخليفةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه، ثمَّ يَستمِرُّ الحالُ إلى آخرِ الزَّمانِ.

وفي هذا الحَديثِ يَقولُ عُقْبةُ بنُ وَسَّاجٍ: " قال صاحبٌ لي يُحدِّثني عن شأْنِ الخوارجِ " وهم الفرقةُ الذين خَرَجوا عن طاعةِ الأُمراءِ والخلفاءِ في عهْدِ الخليفةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضِيَ اللهُ عنه، "وطَعْنِهم على أُمَرائهم"، أي: تَشكيكِهم والخوضِ فيهم، "فحجَجْتُ، فلَقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو، فقلْتُ له: أنت مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، وقد جعَلَ اللهُ عندك عِلْمًا"، أي: عندَك مِن العِلْمِ بالسُّنَّةِ والقرآنِ ما تُفرِّقُ به بيْن الحقِّ والباطلِ، "وأناسٌ بهذا العراقِ يَطْعَنون على أُمَرائهم، ويَشْهَدون عليهم بالضَّلالةِ"، أي: الزَّيغِ والمَيلِ عن الحقِّ، "فقال لي: أولئك عليهم لَعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ"، واللَّعنةُ: هي الطَّردُ مِن رَحمةِ اللهِ، "أُتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ بقَلِيدٍ"، أي: بعِقْدٍ، "مِن ذهَبٍ وفِضَّةٍ، فجعَلَ يَقسِمُها بيْن أصحابِه، فقام رجلٌ مِن أهلِ الباديةِ" وهو ذُو الخُوَيصرةِ التَّميميُّ، كما جاء في بعضِ الأحاديثِ، "فقال: يا محمَّدُ، واللهِ لَئِنْ أمَرَك اللهُ أنْ تَعدِلَ، فما أراك أنْ تَعدِلَ"، أي: في العطيَّةِ والقِسمةِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَيْحَكَ!" الويحُ: هو الويلُ، وهي كلمةٌ لا يُرادُ بها الدُّعاءُ على الشَّخصِ، ولكنْ يُرادُ بها الزَّجْرُ والحثُّ على شيءٍ مُعيَّنٍ، "مَن يَعدِلُ عليه بَعْدي؟!" والمعنى: أصابَتْك الخيبةُ والخُسرانُ إنْ لم أعْدِلْ أنا؛ إذ كنتَ مُقتدِيًا بي وتابعًا لي، "فلمَّا ولَّى"، أي: انصَرَفَ الرَّجلُ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "رُدُّوه رُويدًا"، أي: أرْجِعوه إليَّ برِفقٍ، "فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم: إنَّ في أُمَّتي أخًا لهذا"، أي: إخوانًا وأشباهًا لهذا الرَّجلِ، "يَقرؤُون القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم" والتَّراقي: جمْعُ تَرْقُوَةٍ، وهو عَظْمٌ واصِلٌ ما بينَ ثُغْرةِ النَّحْرِ والعاتِقِ، وفي روايةٍ: "لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم"، ومعناه: أنَّ قومًا ليس حَظُّهم مِن القرآنِ إلَّا مُرورَه على اللِّسانِ، فلا يُجاوِزُ تَراقِيَهم لِيَصِلَ قُلوبَهم، وليس ذلك هو المطلوبَ، بلِ المطلوبُ تَعقُّلُه وتَدبُّرُه بوُقوعِه في القلبِ، والمُرادُ أنَّ الإيمانَ لم يَرسَخْ في قُلوبِهم، "كلَّما خَرَجوا فاقْتُلوهم -ثلاثًا-"، أي: كلَّما خَرَجوا على الوُلاةِ وظَهَروا، فقاتِلُوهم مع الأئمَّةِ والولاةِ، وكرَّرَ قولَه هذا ثلاثَ مرَّاتٍ للتَّأكيدِ عليه.

وفي الحديثِ: التَّحذيرُ مِن الغُلوِّ في الدِّينِ على غيرِ هُدًى وبصيرةٍ.

وفيه: عَلَمٌ مِن أعلامِ النُّبوَّةِ؛ حيث أخبَرَ بصِفةِ أُناسٍ يَخرُجون مِن الدِّينِ، ويَخرُجون على الوُلاةِ، وقد جاؤوا على الصِّفةِ التي وصَفَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

أحاديث ذات صلة