أتى النَّبيَّ - صلَّى اللَّه عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - قومٌ يبايعونَهُ وفيهم رجلٌ من يدِهِ أثرُ خَلوقٍ فلَم يزل يبايعُهُم ويؤخِّرُهُ ، ثمَّ قالَ : إنَّ طيبَ الرِّجالِ ما ظَهَرَ ريحُهُ وخفِيَ لونُهُ وطيبُ النِّساءِ ما ظَهَرَ لونُهُ وخفيَ ريحُهُ .
أخرجه البزار (6486)
اهْتَمَّ الشَّرْعُ بالنَّظافَةِ، وحَثَّ عليها، ويَنْبَغي للمُسْلِمِ أنْ يكونَ نظيفَ الجَسَدِ، واللِّباسِ، والمَكانِ، ولا سيَّما في الأوْقاتِ التي يَجْتمِعُ الناسُ فيها، كالجُمُعةِ، والعِيدَينِ، ونَحْوِها معَ مُراعاةِ قَواعِدِ الشَّرْعِ في كُلِّ ذلك.
وفي هذا الحديثِ يقولُ أنسُ بنُ مالِكٍ رضِيَ اللهُ عنه: "أَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم قَوْمٌ يُبايِعونَهُ"، أي: يُعاهِدونَهُ على السَّمْعِ والطاعَةِ في الإِسْلامِ، "وفيهم رَجُلٌ من يَدِهِ أَثَرُ خَلوقٍ" وهو نوْعٌ من الطِّيبِ، يُجعَلُ فيه الزَّعْفَرانُ، وتَغْلِبُ عليه الحُمْرةُ والصُّفْرةُ، والزَّعْفَرانُ مُباحٌ أكْلًا، ومنهي عنه طِيبًا لأَجْلِ اللَّوْنِ "فلمْ يَزَلْ يُبايِعُهُم ويُؤَخِّرُهُ"، يُقدِّمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُبايَعَةَ باقي القَوْمِ على هذا الرَّجُلِ؛ وذلك لأثرِ الخَلُوقِ الذي بيدِه، وهو أسلوبٌ من النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَجمَعُ فيه بينَ النصحيةِ والزَّجرِ لهذا الرجُلِ على فِعلِه، ثم قال: إنَّ طِيبَ الرِّجالِ"، أي: صِفَتَه ونَوْعَه وما يَليقُ بِهِمْ، "ما ظَهَرَ رِيحُهُ وخَفِيَ لَوْنُهُ" كمَاءِ الوَرْدِ، والمِسْكِ، والعَنْبَرِ؛ لأنَّ المَقْصودَ من طِيبِهِم ظُهورُ طِيبِ الرائِحَةِ لا الزِّينةُ بِلَوْنِهِ، "وَطِيبَ النِّساءِ ما ظَهَرَ لَوْنُه"، "وَخَفِيَ ريحُهُ"، أي: وليس له رائِحَةٌ كالحِنَّاءِ، وحُمِلَ قَوْلُهُ: "وطِيبَ النِّساءِ" عَلَى ما إذا أَرادَتْ أَنْ تَخْرُجَ؛ لأنَّ المُرادَ به الزينةُ؛ ولأنَّه إذا ظَهَرَ ريحُهُ كان باعِثًا للشَّهْوةِ؛ ورُبَّما مَرَّتْ على الأَجْنَبِيِّ، فأمَّا إذا كانتْ عندَ زَوْجِها، فلْتَطَيَّبْ بما شاءَتْ.
وفي الحديثِ: حِفْظُ هَيْئاتِ الرِّجالِ وحُرْمَةِ الناسِ مِن الزِّينَةِ التي لا تُناسِبُ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ.
وفيه: حُسْنُ تَعْليمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .