مَن وَقَعَ على بَهيمةٍ فاقتُلوه، واقتُلوها.
أخرجه أبو داود (4464)، والترمذي (1455) مطولا باختلاف يسير
حرَّمَ الإسلامُ الفواحشَ، ما ظهَرَ منها وما بَطَنَ؛ لأنَّها أُمورٌ تَخرُجُ فيها الطَّبيعةُ الإنسانيَّةُ عمَّا أرادَهُ اللهُ تعالى للناسِ؛ مِنَ العِفَّةِ والطَّهارةِ، مع ما فيها مِنْ هَتْكٍ للأعراضِ وضَياعِ الـمُرُوءَةِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخْبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: "مَنْ أتى بَهيمةً فاقتُلُوه"، أي: إنَّ عُقوبةَ مَنْ جامَعَ البَهيمةَ القتلُ، وقِيل: إنْ كان الفاعِلُ مُـحْصَنًا فحَدُّه القتلُ، وإنْ كان غيرَ مُـحْصَنٍ فحَدُّه الجَلْدُ؛ حُكمُه كحُكمِ الزَّاني.
وقيل: يُقتَلُ إنْ عَمِلَ ذلك مع العِلمِ بالنَّهْيِ.
والـمُرادُ بالبَهيمةِ: كُلُّ حيوانٍ يُؤْكَلُ لَـحمُه، وقيل: الدَّوابُّ بأنواعِها.
"واقتُلوها معه"، أي: وتُقتَلُ تلك البَهيمةُ.
قال عِكرمةُ مَوْلى ابنِ عبَّاسٍ: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: "ما شأْنُ البَهيمةِ؟" أي: لِـمَ تُقْتَلُ البَهيمةُ وليس لها مِنْ أمْرِها شيءٌ؟! قال -كما في رِوايةِ أبي داودَ-: "ما أُراهُ إلَّا أنْ قال ذلك"، أي: ما أظُنُّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ بقَتلِ البَهيمةِ إلَّا "أنَّه كَرِه أنْ يُؤْكَلَ لحمُها، وقد عُمِلَ بها ذلك العملُ"، أي: إتيانُها وجِماعُها؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ في الكونِ جعَلَه اللهُ صالحًا لفعْلٍ خاصٍّ، فلا يَصلُحُ لذلك العملِ سواهُ؛ فإنَّ المأكولَ مِنَ الحيوانِ خُلِقَ لأكْلِ الإنسانِ إياهُ، لا لقضاءِ شَهوتِه منه، فإذا عُكِس الأمرُ كان ذلك إبطالًا للحِكمةِ الإلهيَّةِ، وإفسادًا للمخلوقِ عمَّا خُلِقَ له، فيَخرُجُ عن صِحَّةِ الانتفاعِ به إلى عدَمِ الانتفاعِ.
وقيل: إنَّ سببَ أمْرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَتلِ البَهيمةِ هو ألَّا يَتوالَدَ منها حيوانٌ شَبيهٌ بصُورةِ الإنسانِ.
وقد ورَدَ في حَديثٍ آخَرَ مَوقوفٍ على ابنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه "ليسَ على الذي يأتِي البَهيمةَ حَدٌّ"، وأكثرُ الفُقهاءِ على عدَمِ العَملِ بحديثِ القتْلِ؛ ترْجيحًا لصِحَّةِ الحديثِ الموقوفِ على المرفوعِ، وأنَّ فاعلَ ذلك يُعزَّرُ، والتَّعزيرُ يَتفاوَتُ، وهذا الأمرُ يَرجِعُ إلى اجتهادِ القاضي ووَلِيِّ الأمْرِ؛ لأنَّ الأمرَ مُتفاوِتٌ؛ فقد يفعلُه إنسانٌ مَرَّةً واحدةً، وقد يكونُ هناك إنسانٌ معروفٌ بكثرةِ الفسادِ وكثرةِ فِعلِ هذه المعصيةِ؛ فيكونُ القتلُ تَعزيرًا، لا حدًّا .
[سنن أبي داود] (4/ 159) 4464- حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه)) قال: قلت له: ما شأن البهيمة؟ قال: ((ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل)) قال أبو داود: ليس هذا بالقوي
[سنن الترمذي] (4/ 56) 1455- حدثنا محمد بن عمرو السواق قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة))، فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا، ولكن أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها، وقد عمل بها ذلك العمل: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم
وقد روى سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين ، عن ابن عباس، أنه قال: ((من أتى بهيمة فلا حد عليه)) حدثنا بذلك محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان الثوري وهذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق