قال عمرُ : اتَّهموا الرَّأيَ على الدِّينِ فلقد رأيتُني أُرادَّ على أمرِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما آلو عن الحقِّ وذلك يومَ أبي جندلٍ والكتابُ بين يدَيْ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وأهلُ مكَّةَ ، فقال : اكتُبوا : بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ .

قالوا : ترانا إذا قد صدَّقناك فيما تقولُ ولكن نكتُبُ : باسمِك اللَّهمَّ .

قال : فرضِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأبيْتُ عليهم حتَّى قال : يا عمرُ تراني قد رضيتُ وتأبَى أنت ؟ قال : فرضِيتُ

الدلالات الموضوعية:# مغازي - صلح الحديبية# صلح - الصلح مع المشركين# اعتصام بالسنة - الأمر بالتمسك بالكتاب والسنة# اعتصام بالسنة - ذم الرأي وتكلف القياس# صلح - كتابة الصلح
المصدر: مسند الفاروق
الراوي: عمر بن الخطاب
المحدث: ابن كثير
الحكم:حسن وإسناده جيد

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (558)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (82) (1/ 72)، والبزار (148) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ وحيٌ مِنَ اللهِ تعالى أوحاه إلى نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهذا الوحيُ على نَوعَينِ: وحيُ الكِتابِ، وهو القُرآنُ الكَريمُ، ووَحيُ السُّنَّةِ، فالسُّنَّةُ النَّبَويَّةِ تُعتَبَرُ مِنَ الوَحيِ، كما قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] ؛ ولهذا كان مَرجِعُ جَميعِ العِباداتِ للكِتابِ والسُّنَّةِ، وليس للعُقولِ وآراءِ البَشَرِ وأهوائِهم، ومِن أعظَمِ ما ابتُلِيت الأُمَّةُ به في القديمِ والحَديثِ هو التَّكَلُّمُ في دينِ اللهِ وفي شَرعِه ووحيِه بالرَّأيِ المُجَرَّدِ عنِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وقد حَذَّرَ السَّلَفُ قديمًا مِنَ التَّكَلُّمِ في الدِّينِ بالرَّأيِ وتَقديمِه على الكِتابِ والسُّنَّةِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه مُحَذِّرًا مِنَ الرَّأيِ، بما حَصَلَ له مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ رَضيَ اللهُ عنه مُخاطِبًا للنَّاسِ: اتَّهِموا الرَّأيَ على الدِّينِ، أي: إذا وجَدتُم تَعارُضًا بَينَ الدِّينِ والرَّأيِ فارجِعوا الخَطَأَ والغَلَطَ في الرَّأيِ، وليس في الدِّينِ، وذلك لأنَّ الدِّينَ وحيٌ مَعصومٌ، بخِلافِ الرَّأيِ؛ فإنَّه يَعتَريه الصَّوابُ والخَطَأُ.

يَقولُ رَضيَ اللهُ عنه: فلَقد رَأيتُني، أي: فقد كان مِن شَأني أنِّي كُنتُ أرُدُّ على أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ما آلو عنِ الحَقِّ، أي: كُنتُ أُنكِرُ ما فعَلَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صُلحِ الحُدَيبيةِ برَأيي اجتِهادًا، ما آلو، أي: ما أُريدُ إلَّا اتِّباعَ الحَقِّ، وذلك يَومُ أبي جَندَلٍ، أي: يَومَ صُلحِ الحُدَيبيَةِ، وأبو جَندَلٍ هو ابنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو، وكان أبو جَندَلٍ مُسلِمًا قد فرَّ إلى المُسلِمينَ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ، فلَمَّا جاءَ والدُه سُهَيلُ بنُ عَمرٍو لصُلح الحُدَيبيَةِ، وكان مِن ضِمنِ الشُّروطِ أنَّ مَن جاءَ مِن قُرَيشٍ مُسلِمًا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه يُرَدُّ إلى قُرَيشٍ، فبَينَما هم كذلك إذ دَخَلَ أبو جَندَلٍ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال سُهَيلٌ: هذا أوَّلُ ما أُقاضيك عليه، فتَرُدُّه عليَّ! فرَدَّه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَهم.

فكان عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه يَستَغرِبُ وُقوعَ بَعضِ هذه الشُّروطِ التي في الصُّلحِ وفيها إجحافٌ بحَقِّ المُسلمينَ، ومِن ذلك أنَّه قال أيضًا: والكِتابُ بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأهلِ مَكَّةَ، أي: كِتابُ الصُّلحِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اكتُبوا: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، أي: اكتُبوا في بدايةِ صَحيفةِ الصُّلحِ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، وهذا كان هَديَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ أمرٍ ذي بالٍ؛ أنَّه يَكتُبُ البَسمَلةَ في أوَّلِه.

قالوا، أي: كُفَّارُ قُرَيشٍ، والمَقصودُ به هَنا سُهَيلُ بنُ عَمرٍو؛ لأنَّه هو الذي جَرى على يَدَيه عَقدُ الصُّلحِ مَعَ المُسلمينَ: تُرانا إذًا قد صَدَّقناك فيما تَقولُ! أي: أنَّك تَظُنُّ أنَّنا قد صَدَّقناك إذا كَتَبتَ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ.

ولَكِنَّنا لَم نُصَدِّقْك فلا تَكتُبْها، ولَكِن نَكتُبُ: باسمِك اللَّهُمَّ، أي: بما نَعرِفُه.

فرَضيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: رَضيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكِتابةِ: باسمِك اللهُمَّ بَدَلَ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ.

وأبَيتُ عليهم، أي: امتَنَعَ عُمَرُ مِن ذلك، حَتَّى قال رَسولُ اللهِ لعُمرَ: يا عُمَرُ، تُراني قد رَضيتُ وتَأبى أنتَ! أي: ما بالُك يا عُمَرُ تَمتَنِعُ عن ذلك وأنتَ تَراني قد وافقتُ ورَضيتُ بذلك، وأنا لَن أفعَلَ شَيئًا إلَّا بوحيٍ مِنَ اللهِ! قال عُمرُ: فرَضيتُ، أي: انتَبَهَ عِندَ ذلك عُمَرُ وسَكَت عِلمًا مِنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُفتَرَضُ الطَّاعةِ، وأنَّه لا يَنطِقُ عنِ الهَوى، وأنَّ الوحيَ لا يُقابَلُ بالعَقلِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ خُطورةِ الرَّأيِ في دينِ اللهِ.

وفيه التَّغليظُ على مَن عارَضَ الحَديثَ بالرَّأيِ.

وفي بَيانُ ما كان عليه عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه مِنَ الشِّدَّةِ في دينِ اللهِ.

وفيه مَشروعيَّةُ تَنازُلِ الإمامِ عن بَعضِ الحَقِّ لمَصلَحةٍ راجِحةٍ .

أحاديث ذات صلة