كُنَّا معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ بالحُدَيْبِيَةِ في أصْلِ الشَّجَرةِ الَّتي قالَ اللهُ تَعالى في القُرْآنِ، وكانَ يَقَعُ مِن أغْصانِ تلك الشَّجَرةِ على ظَهْرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، وعلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ وسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو بَيْنَ يَدَيه، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لعلِيٍّ رَضيَ اللهُ تَعالى عنه «اكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ»، فأخَذَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو بيَدِه فقالَ: ما نَعرِفُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، اكْتُبْ في قَضِيَّتِنا ما نَعرِفُ، قالَ: «اكْتُبْ باسْمِك اللَّهُمَّ»، فكَتَبَ: «هذا ما صالَحَ عليه مُحمَّدٌ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ أهْلَ مَكَّةَ»، فأَمسَكَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو بيَدِه وقالَ: لقد ظَلَمْناك إن كُنْتَ رَسولَه، اكْتُبْ في قَضِيَّتِنا ما نَعرِفُ، فقالَ: «اكْتُبْ هذا ما صالَحَ عليه مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأنا رَسولُ اللهِ»، فكَتَبَ، فبَيْنا نحن كذلك إذ خَرَجَ علينا ثَلاثونَ شابًّا عليهم السِّلاحُ، فثاروا في وُجوهِنا، فدَعا عليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فأخَذَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بأبْصارِهم، فقَدِمْنا إليهم فأخَذْناهم، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «هل جِئْتُم في عَهْدِ أحَدٍ، أو هل جَعَلَ لكم أحَدٌ أمانًا؟»، فقالوا: لا، فخَلَّى سَبيلَهم، فأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.
لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ، وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، ولمَّا انتَصَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المُشرِكينَ وعَلى اليَهودِ في عِدَّةِ غَزَواتٍ، وأصبَحَ للمُسلمينَ مَهابةٌ عِندَ كَثيرٍ مِنَ القَبائِلِ المُجاوِرةِ أرادَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابُه أن يَذهَبوا إلى مَكَّةَ لأداءِ العُمرةِ، لا سيَّما وأنَّهم قد صُدُّوا ومُنِعوا مِنها لسَنَواتٍ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أُرِيَ في المَنامِ أنَّه دَخَلَ هو وأصحابُه المَسجِدَ الحَرامَ وطافوا واعتَمَروا؛ ولذا لَمَّا كانتِ السَّنةُ السَّادِسةُ للهِجرةِ خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى نَزَلَ في مَكانٍ يُقالُ له الحُدَيبيَةُ، وهيَ مِنطَقةٌ على بُعدِ (22) كَيلًا غَربَ مَكَّةَ، ولمَّا عَلِمَت قُرَيشٌ بخُروجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اجتَمَعَ رَأيُها على أن تَصُدَّه وتَمنَعَه، ثُمَّ بَعدَ أحداثٍ تَمَّ الاتِّفاقُ على الصُّلحِ بَينَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكُفَّارِ قُرَيشٍ، وسُمِّي ذلك الصُّلحُ بصُلحِ الحُدَيبيةِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّلٍ رَضيَ اللهُ عنه عن بَعضِ ما حَصَلَ في صُلحِ الحُدَيبيةِ، فيَقولُ: كُنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحُدَيبيةِ، أي: في مِنطَقةِ الحُدَيبيةِ، في أصلِ الشَّجَرةِ، أي: عِندَ مَكانِ الشَّجَرةِ التي قال اللهُ تعالى في القُرآنِ، أي: التي ذَكَرَها اللهُ تعالى في القُرآنِ في قَولِه تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرةِ} [الفتح: 18] ، وكان يَقَعُ مِن أغصانِ تلك الشَّجَرةِ على ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: تَتَساقَطُ أعوادٌ مِنَ الشَّجَرةِ على ظَهرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لكَونِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَحتَها.
وعَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو بَينَ يَدَيه، أي: أمامَه حاضِرَينِ عِندَه؛ عَليٌّ رَضيَ اللهُ عنه مِن طَرَفِ المُسلمينَ، وسُهَيلُ بنُ عَمرٍو مَندوبُ كُفَّارِ قُرَيشٍ في الصُّلحِ، وقد أرادَ الطَّرَفانِ كِتابةَ الصُّلحِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَليِّ رَضيَ اللهُ عنه: اكتُبْ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، أي: اكتُبْ في بدايةِ صَحيفةِ الصُّلحِ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، وهذا كان هَديَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ أمرٍ ذي بالٍ؛ أنَّه يَكتُبُ البَسمَلةَ في أوَّلِه، فأخَذَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو بيَدِه، أي: أخذَ بيَدِ عليٍّ حَتَّى لا يَكتُبَ: بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ.
وقال: ما نَعرِفُ بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ! أي: أنَّنا لا نَعرِفُ هذه الصِّيغةَ التي أتَيتَ بها، اكتُبْ في قَضيَّتِنا، أي: صُلحِنا، ما نَعرِفُ، أي: مِمَّا نَعرِفُه ونَقولُه، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَليٍّ: اكتُبْ باسمِك اللَّهُمَّ، أي: كما أرادَ سُهَيلٌ، وليس في تَركِ وَصفِ اللَّهِ سُبحانَه وتعالى في هذا المَوضِعِ بالرَّحمَنِ الرَّحيمِ ما يَنفي ذلك.
ثُمَّ كَتَبَ عليٌّ: هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أهلَ مَكَّةَ.
فأمسَكَ سُهَيلُ بنُ عَمرٍو بيَدِه، أي: أمسَكَ بيَدِ عليٍّ حَتَّى لا يَكتُبَ ذلك، وقال: لَقد ظَلَمْناك إن كُنتَ رَسولَه! أي: أنَّنا لَو صَدَّقنا بك أنَّك رَسولُ اللهِ لَكُنَّا قد ظَلَمناك حينَ آذَيناك وأخرَجناك مِن مَكَّةَ وقاتَلناك! والمَعنى: أنَّهم غَيرُ مُعتَرِفينَ برِسالَتِه، فلا يَكتُبُ في الصُّلحِ: مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، ولَكِنِ اكتُبْ في قَضيَّتِنا، أي: صُلحِنا، ما نَعرِفُ، أي: ما نَعرِفُه مِنِ اسمِك ونَسَبِك.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَليٍّ: اكتُبْ: هذا ما صالَحَ عليه مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، وأنا رَسولُ اللهِ، أي: لبَيانِ أنَّ هذا لا يُنافي أنِّي رَسولُ اللهِ، وإن كَذَّبتُموني، وليس في تَركِ وصفِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هنا بالرِّسالةِ ما يَنفيها، فلا مَفسَدةَ فيما طَلَبوه، وإنَّما كانتِ المَفسَدةُ تَكونُ لَو طَلَبوا أن يَكتُبَ ما لا يَحِلُّ مِن تَعظيمِ آلهَتِهم ونَحوِ ذلك.
فكَتَبَ عليٌّ ذلك في الكِتابِ.
يَقولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّلٍ: فبَينا نَحنُ كذلك، أي: بَينَما هم في كِتابةِ الصُّلحِ مَعَ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو، قَبلَ أن يَجِفَّ مِدادُ هذا الصُّلحِ، وقَبلَ أن يَتَحَوَّلَ المُسلمونَ مِن أماكِنِهم، إذ خَرَجَ علينا ثَلاثونَ شابًّا عليهمُ السِّلاحُ، أي: طَلَعَ على النَّبيِّ والصَّحابةِ ثَلاثونَ شابًّا مَعَهم أسلحَتُهم، فثاروا في وُجوهِنا، أي: هاجوا ووثَبوا على الصَّحابةِ، وفي رِوايةٍ أنَّهم هَبَطوا مِن جَبَلِ التَّنعيمِ يُريدونَ استِغلالَ فُرصةِ غَفلةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وغَفلةِ أصحابِه عنِ الحَربِ، اعتِمادًا على الصُّلحِ الذي تَمَّ، فدَعا عليهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: بسَبَبِ فِعلِهم ذلك، فأخَذَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بأبصارِهم، أي: لَم يَشعُروا ولَم يُبصِروا قُدومَ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأخذِهم، فأخَذوهم وجاؤوا بهم إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هَل جِئتُم في عَهدِ أحَدٍ، أي: أمانِ قَومٍ لَهم عَهدٌ وميثاقٌ، أو هَل جَعلَ لَكُم أحَدٌ أمانًا؟ أي: هَل جَعَلَ لَكُم أحَدٌ مِنَ الصَّحابةِ أمانًا؟ فقالوا: لا، أي: ليس لَنا مِن ذلك شَيءٌ.
فخَلَّى سَبيلَهم، أي: أفرَجَ عنهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَرَكَهم.
وإنَّما سَألَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأنَّه لَو كان لَهم عَهدٌ أو أمانٌ مِن أحَدِ الصَّحابةِ بَعدَ فِعلِهم هذا لَوجَبَ العَفوُ عنهم، وقد ظَهَرَ باعتِرافِهم أنَّه ليس مَعَهم أمانٌ ولا عَهدٌ، فكانوا يَستَحِقُّونَ القَتلَ أوِ الدُّخولَ في الإسلامِ، ومَعَ هذا فقدَ عَفا عنهم وخَلَّى سَبيلَهم، وهذا مِن كَرَم أخلاقِه ومَزيدِ حِلمِه وحُسنِ سياسَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الفتح: 24] ، أي: مَنعَ اللهُ هؤلاء المُشرِكينَ عنكُم، ومَنعَكُم مِنهم بأن خَلَّيتُم سَبيلَهم بَعدَ أن أقدَرَكُمُ اللَّهُ عليهم وأصبَحوا تَحتَ سُلطانِكُم؛ تَفضُّلًا مِنه وامتِنانًا مِنه سُبحانَه.
وفي الحَديثِ تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ الأشخاصِ الذي أُجريَ على أيديهم عَقدُ صُلحِ الحُدَيبيَةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَنازُلِ الإمامِ عن بَعضِ الحَقِّ لمَصلَحةٍ راجِحةٍ.
وفيه بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيةِ والمَقصودِ بها.
وفيه تَأييدُ اللهِ تعالى لأوليائِه ونَصْرُه لَهم.
وفيه مَشروعيَّةُ المَنِّ على الأسرى .