بينما نحن مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو ينكتُ في الأرضِ إذ رفع رأسَه إلى السماءِ ثم قال ما منكم من أحدٍ إلا قد علِمَ .
قال وكيع : - إلا قد كُتِبَ – مقعدُه من النَّارِ ومقعدُه من الجنةِ .
قالوا : أفلا نتَّكِلُ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : لا ! اعمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له
أخرجه البخاري (4946)، ومسلم (2647)، وابن ماجة (78) باختلاف يسير.
الإيمانُ بالقَدَرِ مِن أُصولِ الإيمانِ التي لا يَتِمُّ إيمانُ العَبدِ إلَّا بها، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا سَألَه جِبريلُ عليه السَّلامُ عَنِ الإيمانِ، قال: أن تُؤمِنَ باللهِ ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه.
وقد جاءَ بَيانُ مَفهومِ الإيمانِ بالقَدَرِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أتَمَّ البَيانِ، وأنَّه يَتَضَمَّنُ عِلمَ اللهِ وقُدرتَه ومَشيئَتَه وخَلْقَه، وأنَّ اللَّهَ تعالى قد قدَّرَ مَقاديرَ الخَلائِقِ وأعمالَهم وإلى ما هم صائِرونَ إلَيه قَبلَ خَلقِ السَّمَواتِ والأرض، ولَكِنْ على العِبادِ العَمَلُ وامتِثالُ الأوامِرِ واجتِنابُ النَّواهي، وعَدَمُ تَركِ العَمَلِ والاتِّكالِ على القَدَرِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك للصَّحابةِ، يَقولُ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه: بَينَما نَحنُ، أي: الصَّحابةُ، مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وجاءَ في رِوايةٍ أنَّ ذلك كان وهم جُلوسٌ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جِنازةِ أحَدِ الصَّحابةِ في المَقبَرةِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنكُتُ في الأرضِ، أي: يَضرِبُ الأرضَ بطَرَفِ عودٍ كان مَعَه؛ ليُؤَثِّرَ في الأرضِ، وهو فِعلُ المُفكِّرِ في أمرٍ عَظيمٍ يُحَدِّثُ نَفسَه به، إذ رَفعَ رَأسَه إلى السَّماءِ، أي: رَفعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَأسَه إلى السَّماءِ، ثُمَّ قال لَهم: ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا قد عُلمَ -قال وكيعٌ: إلَّا قد كُتِبَ، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي: هَل قال النَّبيُّ: عُلِم أو كُتِبَ- مَقعَدُه مِنَ النَّارِ ومَقعَدُه مِنَ الجَنَّةِ.
والمَعنى: أنَّ اللَّهَ تعالى قد عَلمَ وكَتَب أهلَ النَّارِ وأهلَ الجَنَّةِ، لعِلمِه سُبحانَه بما سَيَعمَلُ عِبادُه وما يَستَحِقُّونَ عليه مِنَ الجَزاءِ.
فقال الصَّحابةُ: أفلا نَتَّكِلُ يا رَسولَ اللهِ؟! أي: إذا كان الأمرُ قد فُرِغَ مِنه فلماذا لا نَترُكُ العَمَلَ ونَعتَمِدُ على ما قد قُدِّرَ لَنا؟! فإنَّه إذا سَبَقَ القَضاءُ لكُلِّ واحِدٍ بالجَنَّةِ أو بالنَّارِ فأيُّ فائِدةٍ في العَمَلِ الصَّالحِ؟! فإنَّ العَمَلَ الصَّالحَ لا يُغَيِّرُ قَضاءَ اللهِ تعالى، وكَذا العَمَلُ القَبيحُ، ولماذا التَّعَبُ؟! فقال لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، أي: لا تَتَّكِلوا، بَل اعمَلوا؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، أي: كُلُّ واحِدٍ يَجري عليه مِنَ الأفعالِ ما قُدِّرَ له مِنَ الخَيرِ والشَّرِّ، كما أنَّ الأرزاقَ تَأتي عليهم بقَدرِ ما قُدِّرَ لَهم، وحاصِلُ السُّؤالِ: ألَا نَترُكُ مَشَقَّةَ العَمَلِ؛ فإنَّا سَنَصيرُ إلى ما قُدِّرَ علينا؟! وحاصِلُ الجَوابِ: لا مَشَقَّةَ؛ لأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، وهو يَسيرٌ على مَن يَسَّرَه اللهُ، كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُه لِلْعُسْرَى} [الليل: 5- 10] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ، وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] .
وفي الحَديثِ إثباتُ القَدَرِ.
وفيه بَيانُ عِلمِ اللهِ وكِتابَتِه لأهلِ النَّارِ وأهلِ الجَنَّةِ.
وفيه أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعمَلُ لِما يُسِّر له.
وفيه الأمرُ بالعَمَلِ وعَدَمِ الاتِّكالِ على القَدَرِ السَّابِقِ .
سنن الترمذي ت شاكر (4/ 445) 2136 - حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا عبد الله بن نمير، ووكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينكت في الأرض إذ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: " ما منكم من أحد إلا قد علم ـ وقال وكيع: إلا قد كتب ـ مقعده من النار ومقعده من الجنة "، قالوا: أفلا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له: هذا حديث حسن صحيح
صحيح البخاري (6/ 170) 4946 - حدثنا بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في جنازة، فأخذ عودا ينكت في الأرض، فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، أو من الجنة قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ قال: " اعملوا فكل ميسر {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} [[الليل: 6]] " الآية، قال شعبة: وحدثني به منصور فلم أنكره من حديث سليمان
صحيح مسلم (4/ 2040) 7 - (2647) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأبو سعيد الأشج، قالوا: حدثنا وكيع، ح وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، ح وحدثنا أبو كريب - واللفظ له - حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم جالسا وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار قالوا: يا رسول الله فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى} [[الليل: 6]]، إلى قوله {فسنيسره للعسرى} [[الليل: 10]]
سنن ابن ماجه (1/ 30) 78 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع، ح وحدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ، قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم وبيده عود، فنكت في الأرض، ثم رفع رأسه، فقال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار ، قيل: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا ولا تتكلوا، فكل ميسر لما خلق له .
ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} [[الليل: 6]]