خرج علينا رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - في مرضِهِ الذي مات فيه - ونحن في المسجدِ - عاصبًا رأسَه بخِرْقةٍ، حتى أَهْوَى نحوَ المنبرِ، فاستوى عليه واتبعناه، قال : والذي نفسي بيدِهِ ؛ إني لَأَنْظُرُ إلى الحوضِ من مَقامي هذا، ثم قال : إن عبدًا عُرِضَتْ عليه الدنيا وزِينَتُها، فاختار الآخرةَ، قال : فلم يَفْطِنْ لها أحدٌ غيرُ أبي بكرٍ، فذَرَفَتْ عَيْناه فبكى، ثم قال : بل نَفْدِيك بآبائِنا وأمهاتِنا وأنفسِنا وأموالِنا يا رسولَ اللهِ ! قال : ثم هبط ؛ فما قام عليه حتى الساعةِ .
أخرجه الدارمي (78) واللفظ له، وأخرجه البخاري (3904)، ومسلم (2382) مطولاً بنحوه
جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأمَّةِ؛ وذلك لِما قاموا به من نُصرةِ هذا الدِّينِ والصَّبرِ على الأذى في سَبيلِه، وكانوا سَبَّاقينَ في كُلِّ خَيرٍ، ومن خيارِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بل أفضَلُهم على الإطلاقِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه، فله منَ المَناقِبِ والفضائِلِ الشَّيءُ الكَثيرُ، وكان رَضيَ اللهُ عنه مِن أعلَمِ الصَّحابةِ وأفطَنِهم لِما يَقولُه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: خَرَجَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَرَضِه الذي ماتَ فيه ونَحنُ في المَسجِدِ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما مَرِضَ مَرَضه الذي توفِّيَ فيه اشتَدَّ عليه المَرَضُ فجَلَسَ يُصَلِّي في بَيتِه وأمَرَ أبا بَكرٍ أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثُمَّ إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَدَ مِن نَفسِه شَيئًا مِنَ التَّحَسُّنِ فخَرَجَ إلى النَّاسِ وهم في المَسجِدِ وهو عاصِبٌ رَأسَه بخِرقةٍ، أي: قد رَبَطَ على رَأسِه قِطعةَ قُماشٍ مِن شِدَّةِ الألَمِ، حَتَّى أهوى نَحوَ المِنبَرِ، أي: أتى المِنبَرَ، فاستَوى عليه، أي: صَعِدَ على المِنبَرِ، واتَّبَعناه، أي: أنَّ الصَّحابةَ أقبَلوا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى يَستَمِعوا له.
ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والذي نَفسي بيَدِه؛ إنِّي لأنظُرُ إلى الحَوضِ مِن مَقامي هذا، أي: يَرى حَوضَه في الآخِرةِ، وهو حَوضٌ عَظيمٌ يَشرَبُ مِنه المُؤمِنونَ يَومَ القيامةِ، ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ عَبدًا عُرِضَت عليه الدُّنيا وزينَتُها، فاختارَ الآخِرةَ، أي: هناكَ رَجُلٌ خُيِّر بَينَ أن يَبقى في الدُّنيا وما فيها مِنَ اللَّذَّاتِ والمَتاعِ، أو يَترُكَ ذلك كُلَّه ويَنتَقِلَ إلى الآخِرةِ وما فيها مِنَ النَّعيمِ المُقيمِ وجِوارِ رَبِّه الكَريمِ، فاختارَ الآخِرةَ على الدُّنيا، والمُرادُ بهذا العَبدِ هو نَفسُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد خَيَّرَه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَينَ أن يَعيشَ في الدُّنيا ما شاءَ أن يَعيشَ فيها يَأكُلُ مِنَ الدُّنيا ما شاءَ أن يَأكُلَ مِنها، وبَينَ لقاءِ رَبِّه عَزَّ وجَلَّ، فاختارَ لقاءَ رَبِّه، وإنَّما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ عَبدًا، وأبهَمَه ليَنظُرَ فَهْمَ أهلِ المَعرِفةِ ونَباهةَ أصحابِ الحِذقِ؛ ولهذا لَم يَفطَنْ لَها أحَدٌ غَيرُ أبي بَكرٍ، أي: لَم يَفهَمْ لهذا المَثَلِ الذي ذَكَرَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إلَّا أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه؛ فقد عَلمَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو العَبدُ المُخَيَّرُ، فذَرَفت عَيناه فبَكى، أي: سالَتِ الدُّموعُ مِن عَيني أبي بَكرٍ، وذلك حُزنًا على فِراقِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وانقِطاعِ الوَحيِ وغَيرِه مِنَ الخَيرِ، ولَم يَفهَمِ الصَّحابةُ الحاضِرونَ ما فهمَه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه.
ثُمَّ قال أبو بَكرٍ: بَل نَفديك بآبائِنا وأُمَّهاتِنا وأنفُسِنا وأموالِنا يا رَسولَ اللهِ! أي: نُقدِّمُك ونُؤثِرُك على أعَزِّ ما عِندَنا مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ والأنفُسِ والأموالِ.
ثُمَّ هَبَطَ، أي: نَزَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المِنبَرِ؛ فما قامَ عليه حَتَّى السَّاعةِ، أي: أنَّ تلك الخُطبةَ كانت آخِرَ ما حَدَّثَهم به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَم يَصعَدْ للمِنبَرِ بَعدَها أبَدًا! وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ حُضورِ المَريضِ للمَسجِدِ وخُطبَتِه للنَّاسِ.
وفيه مَشروعيَّةُ القَسَمِ لتَأكيدِ أمرٍ ما.
وفيه إثباتُ حَوضِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الآخِرةِ.
وفيه أنَّ الأنبياءَ لا يَموتونَ حَتَّى يُخَيَّروا بَينَ الدُّنيا والآخِرةِ.
وفيه اختيارُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للآخِرةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ ضَربِ الأمثالِ لتَقريبِ الفَهمِ للسَّامِعينَ.
وفيه مَنقَبةٌ لأبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه .
سنن الدارمي (1/ 215) 78 - أخبرنا زكريا بن عدي، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ونحن في المسجد عاصبا رأسه بخرقة حتى أهوى نحو المنبر فاستوى عليه واتبعناه، قال: والذي نفسي بيده، إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا، ثم قال: إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة، قال: فلم يفطن لها أحد غير أبي بكر رضوان الله عليه فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله، قال: ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة
صحيح البخاري ـ حسب ترقيم فتح الباري (5/ 73) 3904- حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عبيد ، يعني ابن حنين ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال فديناك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا له وقال الناس انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر هو أعلمنا به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.
صحيح مسلم (4/ 1854) 2 - (2382) حدثنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلس على المنبر فقال: عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر