كنا جلوسًا عند بابِ رسولِ اللهِ نتذاكَرُ ، ينزعُ هذا بآيةٍ ، و ينزعُ هذا بآيةٍ ، فخرج علينا رسولُ اللهِ كأنما يُفْقَأُ في وجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ فقال : يا هؤلاءِ بهذا بُعِثتُم ، أم بهذا أُمِرتُم ؟ لاترجِعوا بعدي كفارًا ، يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ
حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه مِنَ الفُرقةِ والاختِلافِ والتَّنازُعِ، وعن كُلِّ الوسائِلِ المُؤَدِّيةِ إلى ذلك، ومِنها أن يَفهَمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ فهمًا يُخالفُ النُّصوصَ الأُخرى ويَتَمَسَّكَ به؛ مِمَّا يُؤَدِّي إلى الانحِرافِ والاختِلافِ؛ ولهذا يَقولُ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رَضيَ اللهُ عنه: كُنَّا، أي: الصَّحابةُ، جُلوسًا عِندَ بابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: بابِ بَيتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، نَتَذاكَرُ، أي: يَتَدارَسونَ القُرآنَ، يَنزِعُ هذا بآيةٍ، ويَنزِعُ هذا بآيةٍ.
النَّزعُ: الجَذبُ، أي: يَجذِبُ هذا بآيةٍ ويَقرَؤُها عليهم، والآخَرُ يَجذِبُ بآيةٍ أُخرى يَقرَؤُها.
والمَعنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَذكُرُ آيةً تُخالِفُ الآيةَ الأُخرى، وهَكَذا؛ ففي رِوايةٍ أُخرى: أنَّ بَعضَهم قال: إنَّ اللَّهَ قال في آيةِ كَذا كَذا، وقال بَعضُهم: لَم يَقُلْ كَذا، وجاءَ أنَّهم كانوا يَتَنازَعونَ في القَدَرِ، فخَرَجَ علينا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: عِندَما سَمِعَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَفعَلونَ ذلك خَرَجَ عليهم وهو مُغضَبٌ مِن فِعلِهم، كَأنَّما يُفقَأُ، أي: يُشَقُّ وعُصِرَ في وَجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ، أي: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا حَتَّى احمَرَّ وَجهُه مِن أجلِ الغَضَبِ احمِرارًا يُشبِهُ فَقءَ حَبِّ الرُّمَّانِ في وَجهِه، وقال لَهم: يا هؤلاء، أي: للقَومِ المُجتَمِعينَ، بهذا بُعِثتُم؟! أي: هل أُرسِلتُم لتَتَنازَعوا في القُرآنِ وتَتَجاذَبوه وتَختَلِفوا فيه، أم بهذا أُمِرتُم؟ أي: أبهذا التَّنازُعِ أمَرتُكُم؟! والاستِفهامُ للإنكارِ، ثُمَّ قال لَهم: لا تَرجِعوا بَعدي، أي: بَعدَ مَوتي، كُفَّارًا، يَضرِبُ بَعضُكُم رِقابَ بَعضٍ، أي: لا يُكَفِّرْ بَعضُكُم بَعضًا فتَستَحِلُّوا قِتالَ بَعضِكُم بَعضًا.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ مِن تَدارُسِ القُرآنِ.
وفيه غَضبُ العالِمِ إذا وجَدَ مِن طُلَّابِه مُنكَرًا.
وفيه التَّحذيرُ الشَّديدُ مِنَ الجِدالِ والتَّنازُعِ والاختِلافِ في القُرآنِ.
وفيه التَّحذيرُ مِنَ الاقتِتالِ .