عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلمَ أنها قالتْ : كنت أسمعُ الناسَ يذكرونَ الحوضَ ولمْ أسمعْ ذلك من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ فلمَّا كانَ يومًا منْ ذلكَ والجاريةُ تمشطنُي ، فسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: أيُّها الناسُ ، فقلتُ للجاريةِ : اسْتَأخِري عنِّي ، قالتْ : إنَّما دعا الرجالَ ولمْ يدعُ النساءَ ، فقلتُ : إنِّي منَ الناسِ

الدلالات الموضوعية:# زينة الشعر - الامتشاط# قيامة - الحوض# مناقب وفضائل - أم سلمة
المصدر: الإحكام في أصول الأحكام
الراوي: أم سلمة أم المؤمنين
المحدث: ابن حزم
الحكم:صحيح

الشرح والتوضيح

خَلق اللهُ تعالى النِّساءَ وجَعَلَهنَّ شَقائِقَ الرِّجالِ، والخِطابُ في الشَّريعةِ يَشمَلُ الرِّجالَ والنِّساءَ، فهنَّ يَدخُلنَ في عُمومِ ما يُخاطَبُ به الرِّجالُ مِنَ التَّشريعاتِ إلَّا ما يَختَصُّ به الرِّجالُ، فهنَّ يَدخُلنَ في عُمومِ الخِطابِ بالنَّاسِ والذينَ آمَنوا والمُسلِمينَ ونَحوِ ذلك، وهذا ما فَهِمَته أُمُّ المُؤمِنينَ أمُّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها زَوجُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد قالت: كُنتُ أسمَعُ النَّاسَ، أي: مِنَ الصَّحابةِ، يَذكُرونَ الحَوضَ، أي: حَوضَ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الآخِرةِ، ولَعَلَّ الصَّحابةَ كانوا قد سَمِعوا ذلك في مَجالِسِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تَقولُ: ولَم أسمَعْ ذلك مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّها لَم تَكُنْ سَمِعَت في ذِكرِ الحَوضِ حَديثًا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَفسِه.

فلَمَّا كان يَومًا مِن ذلك، أي: يَومًا مِنَ الأيَّامِ في ذلك الوقتِ الذي ذَكَرَ فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحَوضَ، أوِ اليَومَ الذي كان نَوبَتي مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والجاريةُ تُمَشِّطُني، أي: أمَتُها تُسَرِّحُ لَها شَعرَها.

فسَمِعَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: أيُّها النَّاسُ، أي: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُنادي بـ "يا أيُّها النَّاسُ"، وهو نِداءٌ لَهم ليَنتَبهوا لِما سيَقولُ لَهم مِنَ الوحيِ، فقالت رَضيَ اللهُ عنها لجاريَتِها: استَأخِري عنِّي، أي: تَأخَّري وابتَعِدي عنِّي ودَعي تَمشيطَ الشَّعرِ، وإنَّما أمَرَتِ الجاريةَ بالكَفِّ عنِ الامتِشاطِ لكَي يُمكِنَ لَها الإصغاءُ إلى خِطابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فقالت لَها الجاريةُ: إنَّما دَعا، أي: نادى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، الرِّجالَ ولَم يَدْعُ، أي: لَم يُنادِ النِّساءَ، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعا بقَولِه "أيُّها النَّاسُ" الرِّجالَ، هَكَذا فَهِمَتِ الجاريةُ.

فصوَّبَت لَها أمُّ سَلَمةَ هذا الفهمَ، فقالت: إنِّي مِنَ النَّاسِ، أي: إنَّني يَشمَلُني هذا اللَّفظُ بعُمومِه، فأنا مِن جُملةِ مَن يُطلَقُ عليهمُ النَّاسُ، فالنَّاسُ يَدخُلُ فيهمُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

وفي الحَديثِ إثباتُ الحَوضِ لنَبيِّنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه خَفاءُ بَعضِ العِلمِ على بَعضِ الصَّحابةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الاستِعانةِ بالغَيرِ في تَمشيطِ الشَّعرِ.

وفيه أنَّ لَفظةَ النَّاسِ تَعُمُّ الذُّكورَ والإناثَ.

وفيه ما كان عليه الصَّحابةُ مِن شِدَّةِ الشَّغَفِ إلى استِماعِ أحاديثِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ ما كانت عليه أمُّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها مِن كَمالِ العَقلِ، ووُفورِ العِلمِ .

أحاديث ذات صلة