يا أبا ذَرٍّ ! أتَرَى كَثْرةَ المالِ هو الغِنَى ؟ قلتُ : نَعمْ يا رسولَ اللهِ ! قال : فَتَرَى قِلَّةَ المالِ هو الفقرَ ؟ قُلتُ : نَعمْ يا رسولَ اللهِ ! قال : إنَّما الغِنَى غِنَى القلبِ ، والفَقْرُ فَقْرُ القلبِ ثُمَّ سأَلَنِي عن رجلٍ من قُريْشٍ قال : هل تَعرِفُ فلانًا ؟ قُلتُ : نَعمْ يا رسولَ اللهِ ! قال : فكيفَ تَراهُ – أو تُراهُ ؟ قُلتُ : إذا سَألَ أُعطِىَ ، وإذا حَضَرَ أُدْخِلَ قال : ثُمَّ سَأَلَنِي عن رجلٍ من أهلِ الصُّفَّةِ ، فقال : هل تعرِفُ فلانًا ؟ ( قُلتُ : لا واللهِ ما أعرِفُهُ يا رسولَ اللهِ ! فما زالَ يُحَلِّيهِ ويَنْعتُه حتى عرفتُه فقلتُ : قد عرفتُه يا رسولَ اللهِ ! قال : فكيفَ تَراهُ – أو تُراهُ ؟ قُلتُ : هو رجلٌ مِسكينٌ من أهلِ الصُّفَّةِ قال : فهُو خيرٌ من طِلاعِ الأرضِ من الآخَرِ.
قُلتُ : يا رسولَ اللهِ ! أفَلا يُعطَى من بعضِ ما يُعطَى الآخَرُ ؟ فقال : إذا أُعطِيَ خيرًا فهُو أهلُه ، وإذا صُرِفَ عنهُ فقدْ أُعطِيَ حَسنةً
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) للمزي (9/157)، وابن حبان (685) واللفظ له، والطبراني (2/154) (1643)
مِن مَكارِمِ الأخلاقِ الحَميدةِ التي جاءَت بها الشَّريعةُ: القَناعةُ، بحَيثُ يَقنَعُ الشَّخصُ بما آتاه اللهُ، ويَستَغني بذلك عن سُؤالِ النَّاسِ أوِ التَّطَلُّعِ إلى ما عِندَهم، فيَعيشُ في راحةِ بالٍ وسَعادةٍ، بَل إنَّ الغِنى الحَقيقيَّ ليس هو غِنى المالِ كما يَراه النَّاسُ، إنَّما هو غِنى القَلبِ، وقد أرشَدَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى ذلك فقال: يا أبا ذَرٍّ، وكان أبو ذَرٍّ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أتُرى أنَّ كَثرةَ المالِ هو الغِنى؟ أي: يا أبا ذَرٍّ، هَل تَحسَبُ وتَظُنُّ أنَّ مَن كان لَدَيه المالُ الكَثيرُ يُعدُّ صاحِبَ غِنًى؟ فقال أبو ذَرٍّ: نَعَم، يا رَسولَ اللهِ، أي: هذا المَعروفُ عِندَ النَّاسِ جَميعًا.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فتَرى قِلَّةَ المالِ هو الفقرَ؟ أي: فهَل تَظُنُّ وتَحسَبُ أنَّ قِلَّةَ المالِ هو الفقرُ؟ فقال أبو ذَرٍّ: نَعَم، يا رَسولَ اللهِ، أي: هذا هو الفقرُ في عُرفِ النَّاسِ.
قال: ثُمَّ بَيَّنَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقيقةَ الأمرِ فقال: إنَّما الغِنى، أي: الغِنى الكامِلُ الفاضِلُ الذي يُحمَدُ عليه صاحِبُه، هو غِنى القَلبِ، أي: غِنى النَّفسِ، وهو مَنِ استَغنى بما أوتيَ وقَنِعَ به ورَضيَ ولَم يَحرِصْ على الازديادِ ولا ألَحَّ في الطَّلَبِ، فكَأنَّه غَنيٌّ، والفقرُ، أي: وحَقيقةُ الفقرِ ليس هو فقرَ المالِ، وإنَّما هو فقرُ القَلبِ؛ وذلك لأنَّ كَثيرًا مِمَّن وسَّعَ اللَّهُ عليه في المالِ لا يَقنَعُ بما أوتيَ، فهو يَجتَهدُ في الازديادِ ولا يُبالي مِن أينَ يَأتيه، فكَأنَّه فقيرٌ لشِدَّةِ حِرصِه.
ثُمَّ سَألَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا ذَرٍّ عن رَجُلٍ مِن قُرَيشٍ، فقال له: هَل تَعرِفُ فلانًا، أي: هَل تَعرِفُ يا أبا ذَرٍّ ذلك الرَّجُلَ؟ فقال أبو ذَرٍّ: نَعَم، يا رَسولَ اللهِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فكَيف تَراه أو تُراه؟ وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، أيَّ اللَّفظَتَينِ قالها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمَعنى: كيف تَرى ذلك الرَّجُلَ يا أبا ذَرٍّ؟ فقال أبو ذَرٍّ: إذا سَألَ أُعطِيَ، أي: إذا سَألَ النَّاسَ سارَعوا في إعطائِه، وإذا حَضَرَ أُدخِلَ، أي: إذا حَضَرَ مَجالِسَ القَومِ أدخَلوه بَينَهم وقدَّموه واحتَرَموه.
ثُمَّ سَألَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا ذَرٍّ عن رَجُلٍ مِن أهلِ الصُّفَّةِ.
وهم فُقَراءُ المُهاجِرينَ، ومَن لَم يَكُنْ له مِنهم مَنزِلٌ يَسكُنُه، فكانوا يَأوونَ إلى مَوضِعٍ مُظَلَّلٍ في مَسجِدِ المَدينةِ يَسكُنونَه.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: هَل تَعرِفُ فلانًا؟ أي: مِن فُقَراءِ أهلِ الصُّفَّةِ.
فقال أبو ذَرٍّ: لا واللَّهِ ما أعرِفُه يا رَسولَ اللهِ! فما زالَ رَسولُ اللهِ يُحَلِّيه، أي: يَصِفُه بأنَّه يَلبَسُ كَذا وكَذا ويَجلسُ في مَكانِ كَذا وكَذا، ويَنعَتُه، أي: يَصِفُه بأوصافِه، حَتَّى عَرَفه أبو ذَرٍّ، فهو رَجُلٌ مَجهولٌ، وقال: قد عَرَفتُه يا رَسولَ اللهِ! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فكَيف تَراه أو تُراه؟ وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، أيَّ اللَّفظَتَينِ قالها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمَعنى: كيف تَرى ذلك الرَّجُلَ يا أبا ذَرٍّ؟ فقال أبو ذَرٍّ: هو رَجُلٌ مِسكينٌ مِن أهلِ الصُّفَّةِ، أي: لا أحَدَ يَلتَفِتُ إليه ويُلقي له بالًا لفَقرِه ومَسكَنَتِه! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فهو، أي: هذا الرَّجُلُ مِن أهلِ الصُّفَّةِ، خَيرٌ مِن طِلاعِ الأرضِ، أي: ما يَملَؤُها حَتَّى يَطلُعَ عنها ويَسيلَ، مِنَ الآخَرِ، أي: الرَّجُلِ الذي مِن قُرَيشٍ.
والمَعنى: أنَّ هذا الفقيرَ مِن فُقَراءِ المَساكينِ مِن أهلِ الصُّفَّةِ خَيرٌ مِن ملءِ الأرضِ مِن مِثلِ هذا الرَّجُلِ القُرَشيِّ.
فقال أبو ذَرٍّ: يا رَسولَ اللهِ! أفلا يُعطى، أي: الرَّجُلُ الفقيرُ مِنَ المالِ مِن بَعضِ ما يُعطى الآخَرُ؟ أي: الرَّجُلُ مِن قُرَيشٍ.
والمَعنى: إذا كان هذا الرَّجُلُ الفقيرُ عِندَ اللهِ له المَنزِلةُ الكَبيرةُ هذه، فلماذا لا يُعطيه اللهُ قَليلًا مِمَّا أعطى الآخَرَ مِنَ المالِ الكَثيرِ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إذا أُعطيَ خَيرًا فهو أهلُه، أي: إذا أُعطيَ هذا الفقيرُ بَعضَ المالِ فهو مُستَحِقٌّ لذلك وهو له أهلٌ، وإذا صُرِف عنه، أي: المالُ، فقد أُعطيَ حَسَنةً، أي: يَنالُ بصَرفِ المالِ عنه حَسَنةً.
والمَعنى: أنَّه إذا صَرَف اللَّهُ عنه هذا المالَ وصَبَرَ على ذلك، فهذا أفضَلُ له عِندَ اللهِ، ولَه عليه الأجرُ.
وفي الحَديثِ بَيانُ حَقيقةِ الغِنى، وهو غِنى القَلبِ.
وفيه بَيانُ حَقيقةِ الفقرِ، وهو فقرُ القَلبِ.
وفيه بَيانُ أنَّ مِقياسَ المُفاضَلةِ عِندَ اللهِ تعالى ليس هو الفَقرَ والغِنى.
وفيه بَيانُ فَضلِ الفقيرِ المِسكينِ مِن أهلِ الإيمانِ على الغَنيِّ الكافِرِ .
[تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف] (9/ 157) 11905-[س] حديث: قال يا أبا ذر ! أترى أن كثرة المال هو الغني؟...
الحديث (ك)
س في الرقائق (في الكبرى) عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن حجاج بن محمد، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه به.
(ك) ليس في الرواية ولم يذكره أبو القاسم.
[صحيح ابن حبان] (2/ 460) [685] أخبرنا بن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا بن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه
عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى)) قلت نعم يا رسول الله قال: ((فترى قلة المال هو الفقر)) قلت نعم يا رسول الله قال: ((إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب)) ثم سألني عن رجل من قريش فقال: ((هل تعرف فلانا)) قلت نعم يا رسول الله قال: ((فكيف تراه وتراه؟)) قلت إذا سأل أعطي وإذا حضر أدخل ثم سألني عن رجل من أهل الصفة فقال: ((هل تعرف فلانا)) قلت لا والله ما أعرفه يا رسول الله قال فما زال يحليه وينعته حتى عرفته فقلت قد عرفته يا رسول الله قال: ((فكيف تراه أو تراه)) قلت رجل مسكين من أهل الصفة فقال: (( هو خير من طلاع الأرض من الآخر)) قلت يا رسول الله أفلا يعطى من بعض ما يعطى الآخر فقال: ((إذا أعطي خيرا فهو أهله وإن صرف عنه فقد أعطي حسنة)).
[ [المعجم الكبير – للطبراني] ـ دار إحياء التراث] (2/ 154) 1643- حدثنا علي بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن جده، عن نعيم بن عبد الله، مولى عمر بن الخطاب، أنه سمع أبا زينب، مولى حازم الغفاري يقول: سمعت أبا ذر ، يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر تقول كثرة المال الغنى؟ قلت: نعم، قال: تقول قلة المال الفقر؟ قلت: نعم، قال ذلك ثلاثا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الغنى في القلب، والفقر في القلب، من كان الغنى في قلبه لا يضره، ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه، فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا، وإنما يضر نفسه شحها.