يا أبا ذَرٍّ ! أَتَرَى أنَّ كثرةَ المالِ هو الغِنَى ؟ إنما الغِنَى غِنَى القلبِ ، والفقرُ فقرُ القلبِ ، مَن كان الغِنَى في قلبِه ، فلا يَضُرُّه ما لَقِيَ من الدنيا ، ومَن كان الفقرُ في قلبِه ، فلا يُغْنِيهِ ما أُكْثِرَ له في الدنيا ، وإنما يَضُرُّ نَفْسَه شُحُّها
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) للمزي (9/157)، وابن حبان (685)، والطبراني (2/154) (1643) باختلاف يسير
مِن مَكارِمِ الأخلاقِ الحَميدةِ التي جاءَت بها الشَّريعةُ: القَناعةُ، بحَيثُ يَقنَعُ الشَّخصُ بما آتاه اللهُ، ويَستَغني بذلك عن سُؤالِ النَّاسِ أوِ التَّطَلُّعِ إلى ما عِندَهم، فيَعيشُ في راحةِ بالٍ وسَعادةٍ، بَل إنَّ الغِنى الحَقيقيَّ ليس هو غِنى المالِ كما يَراه النَّاسُ، إنَّما هو غِنى القَلبِ، وقد أرشَدَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى ذلك فقال: يا أبا ذَرٍّ، وكان أبو ذَرٍّ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أتُرى أنَّ كَثرةَ المالِ هو الغِنى؟ أي: يا أبا ذَرٍّ، هَل تَحسَبُ وتَظُنُّ أنَّ مَن كان لَدَيه المالُ الكَثيرُ يُعدُّ صاحِبَ غِنًى؟ ثُمَّ بَيَّنَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَقيقةَ الأمرِ فقال: إنَّما الغِنى، أي: الغِنى الكامِلُ الفاضِلُ الذي يُحمَدُ عليه صاحِبُه، هو غِنى القَلبِ، أي: غِنى النَّفسِ، وهو مَنِ استَغنى بما أوتيَ وقَنِعَ به ورَضيَ ولَم يَحرِصْ على الازديادِ ولا ألَحَّ في الطَّلَبِ، فكَأنَّه غَنيٌّ، والفقرُ، أي: وحَقيقةُ الفقرِ ليس هو فقرَ المالِ، وإنَّما هو فقرُ القَلبِ؛ وذلك لأنَّ كَثيرًا مِمَّن وسَّعَ اللَّهُ عليه في المالِ لا يَقنَعُ بما أوتيَ، فهو يَجتَهدُ في الازديادِ ولا يُبالي مِن أينَ يَأتيه، فكَأنَّه فقيرٌ لشِدَّةِ حِرصِه، مَن كان الغِنى في قَلبِه فلا يَضُرُّه ما لَقيَ مِنَ الدُّنيا، أي: مِن مَتاعٍ ومالٍ، ومَن كان الفَقرُ في قَلبِه فلا يُغنيه ما أُكثِرَ له في الدُّنيا، أي: ما دامَ هو فقيرَ القَلبِ فلَن يُغنيَه المالُ وإن أُعطيَ الدُّنيا وما فيها، وإنَّما يَضُرُّ نَفسَه شُحُّها، أي: يَضُرُّ هذا الشَّخصَ الشُّحُّ، وهو البُخلُ والحِرصُ على جَمعِ المالِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ حَقيقةِ الغِنى، وهو غِنى القَلبِ.
وفيه بَيانُ حَقيقةِ الفقرِ، وهو فقرُ القَلبِ.
وفيه أنَّ الاستِكثارَ مِنَ الدُّنيا فيه ضَرَرٌ على صاحِبِه .