أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مرَّ به وهو يُنشِدُ ويقولُ ألا هل أتى غسَّانَ عنَّا ودونَهم من الأرضِ خرق حولَه يتتبَّعُ تُجالِدُنا عن حَرَمِنا كلُّ فَخمةٍ مدربة لها فيها القوانسُ تلمَعُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يا كعبَ بنَ مالكٍ فقال كعبٌ تُجالِدُنا عن دينِنا كلُّ فَخمةٍ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَعَمْ يا كعبُ
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (19/ 97) (192) واللفظ له.
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسمَعُ الشِّعرَ، وكان له شُعَراءُ يَقولونَ الشِّعرَ ويُناصِرونَ الدِّينَ بقَولِهمُ الشِّعرَ، فَوقْعُ الشِّعرِ على العَدوِّ قد يَكونُ أشَدَّ عليهم مِن وَقعِ السِّلاحِ، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَحِّحُ للشُّعَراءِ ما قد يَقَعونَ فيه مِن أخطاءٍ شَرعيَّةٍ في قَولِهم للشِّعرِ، ومِن شُعَراءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَعبُ بنُ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقد مَرَّ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يُنشِدُ، أي: يَقولُ الشِّعرَ، ويَقولُ: ألا هَل أتى غَسَّانَ عنَّا ودونَهم مِنَ الأرضِ خَرقٌ حَولَه يتَقعقَعُ تَجالُدُنا عن حُرَمِنا كُلَّ فَخمةٍ مُدَرَّبةٍ فيها القَوانِسُ تَلمَعُ.
وغَسَّانُ كانوا مُلوكَ الشَّامِ، والخَرقُ: الفلاةُ الواسِعةُ التي تَنخَرِقُ فيها الرِّيحُ، والتَّجالُدُ: القِتالُ بالسُّيوفِ.
والفَخمةُ: الكَتيبةُ العَظيمةُ.
ومُدَرَّبة، يُروى بدالٍ مُهمَلةٍ مِنَ الدُّربةِ، يَعني: أنَّهم دَرَبوا للقِتالِ، ويُروى بالذَّالِ المُعجَمةِ، يَعني مُحَدَّدةً، والذَّرِبُ: الحادُّ.
والقَوانِسُ: جمعُ قَونَسٍ، وهيَ رؤوسُ بِيضِ السِّلاحِ.
وتَلمَعُ: تُضيءُ.
والمَعنى: أنَّ كَعبَ بنَ مالكٍ قال هذا الشِّعرَ يُخبِرُ به عن غَسَّانَ الذينَ بالشَّامِ، وهم مِن بَني عَمِّ الأنصارِ، والكُلُّ غَسَّانٌ؛ لأنَّ غَسَّانَ ماءٌ شَرِبوا مِنه حينَ ارتِحالِهم مِنَ اليَمَنِ فسُمُّوا به، فيُخبرُ ويَقولُ: ما حالكُم يا غَسَّانُ وبَينَنا وبَينَكُم أراضٍ واسِعةٍ، ونَحنُ نُقاتِلُ بالكَتائِبِ العَظيمةِ التي يُضيءُ سِلاحُها ويَلمَعُ، مَن يَتَعَرَّضُ لحُرَمِنا أي: ديارِنا ونِسائِنا.
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا يا كَعبُ بنَ مالكٍ، أي: لا تَقُلْ عن حُرَمِنا، فنَحنُ نُقاتِلُ مِن أجلِ هذا الدِّينِ.
فقال كَعبٌ: تَجالُدُنا عن دينِنا كُلَّ فخمةٍ، أي: عَدَّلَ وغَيَّرَ عن حُرَمِنا إلى دينِنا.
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم يا كَعبُ، أي: الآنَ استَقامَ الشِّعرُ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ إنشادِ الشِّعرِ.
وفيه سَماعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للشِّعرِ.
وفيه أنَّ الشِّعرَ إذا كان فيه مُخالَفةٌ فيُشرَعُ تَعديلُها.
وفيه فَضلُ كَعبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه .
المعجم الكبير للطبراني (19/ 97) 192 - حدثنا شعيب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، حدثني أبي، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن ابن كعب بن مالك، قال: قال كعب بن مالك : إن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو ينشد:
[[البحر الطويل]]
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ...
من الأرض خرق حوله يتقعقع
تجالدنا عن حرمنا كل فحمة ...
كردف لها فيها القوانس تلمع
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا كعب بن مالك ، فقال كعب: تجالدنا عن ديننا كل فحمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم يا كعب