- مَكَثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم بمكةَ عشْرَ سِنينَ يَتَّبَّعُ النَّاسَ في مَنازِلِهِم بِعُكَاظَ ومَجَنَّةَ، وفي المواسمِ بمِنًى، يقولُ: مَن يُؤْوِيني ، مَن يَنصُرُني حتَّى أُبَلِّغَ رسالةَ ربِّي ولهُ الجنَّةُ؟ حتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ أوْ مِن مُضَرَ- كذا قال- فيأْتِيهِ قومُه فيقولون: احْذَرْ غُلامَ قُرَيشٍ لا يَفْتِنْكَ.

ويَمشي بيْن رِجالِهِم وهُم يُشيرون إليه بالأصابِعِ، حتَّى بَعَثَنا اللهُ إليهِ مِن يَثْرِبَ ، فآوَيْناهُ وصَدَّقْناهُ، فيَخرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فيُؤْمِنُ به، ويُقْرِئُهُ القُرآنَ، فيَنقَلِبُ إلى أهْلِهِ فيُسْلِمون بإسلامِه، حتَّى لم يَبْقَ دارٌ مِن دُورِ الأنصارِ إلَّا وفيها رهْطٌ مِنَ المسلمِينَ يُظْهِرون الإسلامَ.

ثمَّ ائْتَمَروا جميعًا، فقُلْنا: حتَّى متَى نَتْرُكُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم يُطْرَدُ في جبالِ مكَّةَ ويُخافُ؟! فرَحَل إليه مِنَّا سبعون رَجُلًا، حتَّى قَدِموا عليه في المَوْسمِ ، فواعَدْناهُ شِعْبَ العَقَبةِ، فاجتَمَعْنا عليه مِن رَجُلٍ ورَجُلَيْنِ، حتَّى تَوافَيْنا، فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ، عَلامَ نُبايِعُكَ؟ قال: تُبايِعوني على السَّمعِ والطَّاعةِ، في النَّشاطِ والكَسلِ، والنَّفقةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، وعلى الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، وأنْ تَقولوا في اللهِ لا تخافوا في اللهِ لَوْمةَ لائِمٍ، وعلى أنْ تَنصُروني فتَمْنَعوني إذا قَدِمْتُ عليكُم ممَّا تَمْنَعون منه أَنفُسَكُم وأزواجَكُم وأبناءَكُم؛ ولكُمُ الجَنَّةَ.

قال: فقُمْنا إليه فبايَعْناهُ، وأَخَذ بيدِهِ أسعدُ بنُ زُرارةَ، وهو مِن أَصغَرِهِم، فقال: رُوَيْدًا يا أهلَ يَثْرِبَ ، فإنَّا لم نَضرِبْ أعناقَ الإبلِ إلَّا ونحن نَعْلَمُ أنَّه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم، وإنَّ إخراجَهُ اليومَ مُفارَقةُ العربِ كافَّةً، وقَتْلُ خِيارِكُم، وأنْ تَعَضَّكُمُ السُّيوفُ ، فإمَّا أنتم قومٌ تَصبِرونَ على ذلكَ وأَجْرُكُم على اللهِ، وإمَّا أنتم قومٌ تخافون مِن أَنفُسِكُم جُبَيْنَةً فبَيِّنوا ذلك؛ فهو أَعْذَرُ لكُم عندَ اللهِ.

قالوا: أَمِطْ عنَّا يا أَسْعَدُ، فواللهِ لا نَدَعُ هذه البيعةَ أبدًا ولا نَسْلِبها أبدًا.

قال: فقُمْنا إليه فبايَعْناهُ، فأَخَذ علينا وشَرَطَ، ويُعْطِينا على ذلكَ الجَنَّةَ).

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - مبعث النبي# مناقب وفضائل - فضائل الأنصار# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ما صبر عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الله عز وجل# بيعة - البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع# جنة - الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: جابر بن عبدالله
المحدث: الوادعي
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (14456)، والبزار كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (6/49)، وابن حبان (6274)

الشرح والتوضيح

لمَّا بَعَثَ اللهُ تعالى نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الدِّينِ وأمرَه بتَبليغِه، دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَومَه إلى الإسلامِ، وبَلَّغَهم هذا الدِّينَ فكَذَّبوه وآذَوه، ولَم يَستَجِبْ له مِنهم إلَّا القَليلُ وغالِبُهم مِنَ الضُّعَفاءِ، فأيَّدَه اللهُ تعالى بالأنصارِ فآمَنوا به ونَصَروه، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو مِنَ الأنصارِ، قِصَّتَهم مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ: مَكَثَ، أي: ظَلَّ وأقامَ، رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَكَّةَ عَشرَ سِنينَ.

وهيَ فترةُ الدَّعوةِ الجَهريَّةِ؛ فقد مَكَثَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثَلاثَ سِنينَ مُستَخفيًا ثُمَّ أعلَنَ في الرَّابعةِ فدَعا النَّاسَ إلى الإسلامِ عَشرَ سِنينَ، يَتبَعُ النَّاسَ، أي: يَدخُلُ عليهم للدَّعوةِ إلى اللهِ، في مَنازِلِهم بعُكاظَ.

وهو اسمُ مَوضِعٍ بقُربِ مَكَّةَ كانت تُقامُ به في الجاهليَّةِ سوقٌ يُقيمونَ فيه أيَّامًا، ومِجَنَّةَ.

وهو مَوضِعٌ بأسفَلِ مَكَّةَ على أميالٍ، وكان يُقامُ بها للعَرَبِ سوقٌ، وفي المَواسِمِ بمِنًى، أي: مَواسِمِ الحَجِّ والعُمرةِ مِمَّن يَقدَمُ إلى مَكَّةَ، يَدعو النَّاسَ إلى اللهِ تعالى، ويَقولُ: مَن يُؤويني؟ مِنَ الإيواءِ، أي: يَحفظُني بالدَّارِ، مَن يَنصُرُني؟ أي: مَن يَقِفُ مَعي ويُساعِدُني ويُناصِرُني مِنَ المُشرِكينَ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسالةَ رَبِّي؟ أي: ما أرسَلَني اللهُ به مِنَ التَّوحيدِ والإيمانِ، ولَه الجَنَّةُ؟ أي: ويَكونُ جَزاؤُه الجَنَّةَ.

وكان مِن شِدَّةِ عَداوةِ قُرَيشٍ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الرَّجُلَ يَخرُجُ مِنَ اليَمَنِ أو مِن مُضَرَ، وهيَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ الكَبيرةِ والمَشهورةِ -كَذا قال- أي: هذا شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، هَل قال مِنَ اليَمَنِ أو مِن مُضَرَ.

فيَأتيه قَومُه، أي: قَومُ هذا الرَّجُلِ الذي يُريدُ السَّفَرَ إلى مَكَّةَ، يَأتونَه قَبلَ أن يُسافِرَ ويُحَذِّرونَه، فيَقولونَ له: احذَرْ غُلامَ قُرَيشٍ.

يَقصِدونَ بذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا يَفتِنْك، أي: لا يُضِلَّك ويُخرِجْك عن دينِك.

وكان رَسولُ اللهِ يَمشي بَينَ رِجالِهم، أي: رِجالِ قُرَيشٍ وهم يُشيرونَ إليه بالأصابعِ، أي: استِهزاءً وسُخريةً، كما يُفعَلُ بأهلِ الجُنونِ.

فهذا كان حالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ قَومِه.

يَقولُ جابرٌ: حَتَّى بَعَثَنا اللهُ إليه، أي: الأنصارَ لنَصرِه وإيوائِه مِن يَثرِبَ.

وهو الاسمُ الذي كان للمَدينةِ في الجاهليَّةِ، وسُمِّيت في الإسلامِ المَدينةَ، ويُريدُ بذلك بَيعةَ العَقَبةِ الأولى وما بَعدَها.

فآويناه، أي: في ديارِنا، وصَدَّقناه، أي: بما جاءَ به وآمَنَّا به، فيَخرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا، أي: إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُؤمِنُ به، ويُقرِئُه رَسولُ اللهِ القُرآنَ، فيَنقَلبُ، أي: يَرجِعُ الرَّجُلُ إلى أهلِه، فيُسلِمونَ بإسلامِه، أي: يَرَونَه قد أسلم فيُسلِمونَ مَعَه، حَتَّى لَم يَبقَ دارٌ مِن دُورِ الأنصارِ إلَّا وفيها رَهطٌ.

والرَّهطُ مِنَ الرِّجالِ ما دونَ العَشَرةِ، مِنَ المُسلمينَ يُظهِرونَ الإسلامَ، أي: مُعلِنينَ بإسلامِهم، ثُمَّ ائتَمَروا، أي: تَشاورَ الأنصارُ فيما بَينَهم جَميعًا، فقالوا: حَتَّى مَتى نَترُكُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُطرَدُ في جِبالِ مَكَّةَ ويُخافُ؟! أي: إلى مَتى نَترُكُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقُرَيشٌ تُؤذيه وتَطرُدُه في جِبالِ مَكَّةَ وتُخيفُه ولا يَأمَنُ على نَفسِه مِن أذى قُرَيشٍ وعَداوتِهم له.

فرَحَلَ إليه مِنَّا سَبعونَ رَجُلًا، أي: سافرَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الأنصارِ في المَدينةِ سَبعونَ رَجُلًا، حَتَّى قدِموا عليه في المَوسِمِ، أي: مَوسِمِ الحَجِّ، فواعَدناه شِعبَ العَقَبةِ.

والعَقَبةُ: الجَبَلُ الطَّويلُ، وهيَ عَقَبةٌ بَينَ مِنًى ومَكَّةَ، بَينَها وبَينَ مَكَّةَ نَحوُ ميلَينِ، وعِندَها مَسجِدٌ ومِنها تُرمى جَمرةُ العَقَبةِ، فاجتَمَعنا عليه مِن رَجُلٍ ورَجُلَينِ، أي: كانوا يَخرُجونَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلًا ورَجُلَينِ ولَم يَذهَبوا كُلُّهم مَرَّةً واحِدةً حَتَّى لا تَشعُرَ بهم قُرَيشٌ، حَتَّى توافَينا، أي: حَتَّى اجتَمَعنا كُلُّنا السَّبعونَ، فقُلنا: يا رَسولَ اللهِ، عَلَامَ نُبايِعُك؟ أي: على أيِّ شَيءٍ نُبايِعُك.

والبَيعةُ هيَ عِبارةٌ عنِ المُعاقَدةِ والمُعاهَدةِ، كأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما باعَ ما عِندَه مِن صاحِبِه وأعطاه خالصةَ نَفسِه وطاعَتَه ودَخيلةَ أمرِه.

فقال لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تُبايِعوني على السَّمعِ والطَّاعةِ، في النَّشاطِ والكَسَلِ، أي: أوَّلُ شَرطٍ أن تَسمَعوا لي وتُطيعوني مُطلَقًا، سَواءٌ كان ذلك أثناءَ نَشاطِكُم وقوَّتِكُم، أو أثناءَ ضَعفِكُم وكَسَلِكُم.

والنَّفَقةِ في العُسرِ واليُسرِ، أي: الشَّرطُ الثَّاني: أن تُنفِقوا مِن أموالِكُم ما آمُرُكُم به سَواءٌ كان ذلك في عُسرِكم، أي: قِلَّةِ ما مَعَكُم وفَقرِكُم وحاجَتِكُم، أو يُسرِكُم، أي: في وقتِ غِناكُم، وعَلى الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، أي: الشَّرطُ الثَّالثُ: أن تَأمُروا النَّاسَ بالمَعروفِ والخَيرِ، وتَنهَوا عنِ المُنكَرِ، أي: ما تَرَونَه مِن مُنكَراتٍ، وأن تَقولوا في اللهِ لا تَخافوا في اللهِ لَومةَ لائِمٍ، أي: الشَّرطُ الرَّابعُ: أن تَقولوا كَلمةَ الحَقِّ للَّهِ تعالى لا تَخافونَ مِن أحَدٍ أن يَلومَكُم أو يُؤذيَكُم.

وعَلى أن تَنصُروني فتَمنَعوني إذا قَدِمتُ عليكُم مِمَّا تَمنَعونَ مِنه أنفُسَكُم وأزواجَكُم وأبناءَكُم، أي: الشَّرطُ الخامِسُ: نُصرَتي وحِمايَتي مِن أيِّ أحَدٍ يُريدُ أن يُؤذيَني أو يَتَعَرَّضَ لي إذا هاجَرتُ إليكُم في المَدينةِ وسَكَنتُ مَعَكُم، فأكونُ فيكُم كَواحِدٍ مِنكُم تَحمونَه كما تَحمونَ أنفُسَكُم وأزواجَكُم وأبناءَكُم.

ولَكُمُ الجَنَّةُ، أي: ويَكونُ جَزاؤُكُم مُقابلَ تلك الشُّروطِ الجَنَّةَ.

قال جابِرٌ: فقُمْنا إليه، أي: إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبايَعناه، أي: على هذه الشُّروطِ.

وأخذَ بيَدِه أسعَدُ بنُ زُرارةَ، وهو مِن أصغَرِهم، أي: أنَّ أسعَدَ بنَ زُرارةَ أمسَكَ بيَدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ أن يُبايِعَه الأنصارُ حَتَّى يَستَثبِتَ مِن صِدقِ ما سيُقدِمونَ عليه وعَلى إيفائِهم بهذه الشُّروطِ، فقال لَهم: رُوَيدًا، أي: مَهلًا يا أهلَ يَثرِبَ، فإنَّا لَم نَضرِبْ أعناقَ الإبِلِ.

كِنايةً عنِ السَّفَرِ، أي: ما سافَرْنا على الإبِلِ مِنَ المَدينةِ إلى مَكَّةَ إلَّا ونَحنُ نَعلَمُ أنَّه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

والمَعنى: أنَّنا مُتَّفِقونَ على تَصديقِه والإيمانِ به، إنَّ إخراجَه اليَومَ، أي: مِن بَلَدِه إلى المَدينةِ، مُفارَقةُ العَرَبِ كافَّةً، أي: سيُؤَدِّي بكُم إلى أن تُفارِقوا وتُعادوا العَرَبَ كُلَّها، وقَتلُ خيارِكُم، أي: ورُبَّما قامَت بَينَكُم وبَينَهم حَربٌ فيَقتُلونَ خيارَكُم.

وأن تَعَضَّكُمُ السُّيوفُ، أي: تَعمَلَ فيكُم سُيوفُهم، فإمَّا أنتُم قَومٌ تَصبرونَ على ذلك وأجرُكُم على اللهِ، وإمَّا أنتُم قَومٌ تَخافونَ مِن أنفُسِكُم جَبينةً، أي: جُبنًا، فبَيِّنوا ذلك؛ فهو أعذَرُ لكُم عِندَ اللهِ، أي: فإذا كُنتُم تَصبرونَ على هذه الأُمورِ التي ذَكَرتُها لكُم فتَقَدَّموا فبايِعوا وأجرُكُم على اللهِ مِمَّا يُصيبُكُم مِنَ المِحَنِ، وأمَّا إذا كُنتُم تَخافونَ وعِندَكُم جُبنٌ مِن ذلك فبَيِّنوا الأمرَ مِنَ الآنَ، فهذا أعذَرُ لكُم عِندَ اللهِ بحَيثُ لا يَقدَمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ ثُمَّ لا تَفون بتلك الشُّروطِ.

فلَمَّا سَمِعَ القَومُ كَلامَ أسعَدَ بنِ زُرارةَ، قالوا له: أمِطْ عنَّا يا أسعَدُ، أي: أبعِدْ يَدَك وأزِلْ عنَّا مَنعَك وحَولَك بَينَنا وبَينَ البَيعةِ.

فواللهِ لا نَدَعُ هذه البَيعةَ أبَدًا ولا نُسلَبُها أبَدًا، أي: لا نَرفُضُها ولا نَترُكُها، وفي رِوايةٍ: ولا نستقيلُها.

بمَعنى نَترُكُها، ثُمَّ قاموا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَميعُهم، فبايَعوه على ذلك، فأخَذَ علينا وشَرَط، ويُعطينا على ذلك الجَنَّةَ، أي: أخَذَ علينا وشَرَط تلك الشُّروطَ السَّابقةَ على أن يُعطيَنا إذا وَفَينا بها الجَنَّةَ.

وفي الحَديثِ بَيانُ مُدَّةِ دَعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَكَّةَ.

وفيه اجتِهادُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في دَعوةِ النَّاسِ.

وفيه تَتَبُّعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للنَّاسِ في أماكِنِ تَجَمُّعاتِهم ومَواسِمهم.

وفيه بَيانُ شِدَّةِ ما لاقاه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أذى قَومِه له.

وفيه تَأييدُ اللهِ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالأنصارِ.

وفيه انتِشارُ الإسلامِ في المَدينةِ قَبلَ هِجرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه بَيانُ عَدَدِ أصحابِ بَيعةِ العَقَبةِ الثَّانيةِ.

وفيه أخذُ الاحتياطِ في الأُمورِ خَشيةَ مَعرِفةِ العَدوِّ.

وفيه فِقهُ الأنصارِ في سُؤالِهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على البَيعةِ.

وفيه بَيانُ شَرطِ بَيعةِ العَقَبةِ.

وفيه فِقهُ وحِكمةُ أسعَدَ بنِ زُرارةَ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فضلُ الأنصارِ وبَيانُ قوَّةِ إيمانِهم .

الأصول والأحكام

[مسند أحمد] (22/ 346 ط الرسالة) ((14456- حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ، قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: (( من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة؟)) حتى إن الرجل ليخرج من اليمن، أو من مصر- كذا قال- فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله له من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك، قال: (( تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم، وأزواجكم، وأبناءكم، ولكم الجنة))، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم، فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا، وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة، ))

[الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان] (14/ 172) ((6274- أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ، قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سبع سنين، يتتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة والمواسم بمنى، يقول: ((من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي؟))، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب، فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا ويؤمن به ويقرئه القرآن، وينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام، ثم إنا اجتمعنا، فقلنا: حتى متى نترك النبي صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟ ‍، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه بيعة العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: ((تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة))، فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم، فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم منازعة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أن تصبروا على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبنا، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم، فقالوا: أمط عنا فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا، وشرط أن يعطينا على ذلك الجنة.

[5: 45]))

أحاديث ذات صلة