عنْ أَبي عامِرٍ عبدِ اللهِ بنِ لُحَيٍّ قالَ: حَجَجْنا مع مُعاويةَ بنِ أَبي سُفْيانَ، فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ، أُخْبِرَ بِقاصٍّ يَقُصُّ على أهْلِ مَكَّةَ مَوْلًى لِبَني فَرُّوخَ، فأَرْسلَ إليه مُعاويةُ فقالَ: أُمِرْتَ بهذا القَصَصِ؟ قالَ: لا.

قالَ: فما حَمَلَكَ على أنْ تَقُصَّ بِغَيْرِ إذْنٍ؟ قالَ: نَنْشُرُ عِلْمًا عَلَّمَناهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، فقالَ مُعاويَةُ: لوْ كُنتُ تقدَّمْتُ إليكَ لَقَطَعْتُ مِنْكَ طائفَةً.

ثُمَّ قامَ حينَ صلَّى الظُّهْرَ بمكَّةَ، فقالَ: قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقوا في دينِهِمْ على ثِنْتَيْنِ وسَبْعينَ مِلَّةً، وتَفْتَرِقُ هذه الأُمَّةُ على ثلاثٍ وسَبْعينَ، كُلُّها في النَّارِ إلَّا واحِدَةً؛ وهي الجَماعَةُ، ويَخْرُجُ في أُمَّتي أَقْوامٌ تَتجارَى بِهِمْ تِك الأَهْواءُ كما يَتَجارَى الكَلْبُ بِصاحِبِهِ، فلا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ، ولا مَفْصِلٌ إلَّا دَخَلَهُ، واللهِ يا مَعْشَرَ العَرَبِ، لئنْ لمْ تَقوموا بما جاءَ بهِ مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِغَيْرِ ذلك أَحْرى أنْ لا تَقوموا».

الدلالات الموضوعية:# أشراط الساعة - افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة# فتن - افتراق الأمم# علم - القصص# إيمان - أهل الكتاب وما يتعلق بهم# آداب عامة - ضرب الأمثال
المصدر: المستدرك على الصحيحين
الراوي: معاوية بن أبي سفيان
المحدث: الحاكم
الحكم:هذه أسانيد تقوم بها الحجة في تصحيح هذا الحديث

الشرح والتوضيح

كان في عَهدِ السَّلَفِ قُصَّاصٌ، أي: أقوامٌ يَقُصُّونَ على النَّاسِ القِصَصَ والأخبارَ والأحاديثَ، ووُجِدَ مِنهم مَن كان لا يَتَورَّعُ في التَّحديثِ بالأحاديثِ المَكذوبةِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فلهذا كان بَعضُ الأُمَراءِ يَمنَعُ هؤلاء القُصَّاصَ مِنَ التَّحديثِ إلَّا بإذنٍ بحَيثُ يُعَرِّفُه صِدقَه مِن كَذِبِه، ومِن ذلك ما جاءَ في هذا الحَديثِ؛ يَقولُ أبو عامِرٍ عبدُ اللهِ بنُ لُحَيٍّ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: حَجَجْنا مَعَ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: رافَقْناه وسافَرْنا مَعَه في رِحلةِ الحَجِّ، فلَمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ، أي: وصَلْنا إلى مَكَّةَ، أُخبِرَ بقاصٍّ يَقُصُّ على أهلِ مَكَّةَ مَولًى لبَني فَرُّوخٍ، أي: أخبَرَ النَّاسُ مُعاويةَ بأنَّ هناكَ شَخصًا، وهو مَولًى لبَني فَرُّوخٍ، يُحَدِّثُ النَّاسَ ويَقُصُّ على أهلِ مَكَّةَ القِصَصَ، وجاءَ في رِوايةٍ أُخرى: أنَّه كان يَقُصُّ على النَّاسِ أشياءَ تُنكَرُ.

فأرسَلَ إليه مُعاويةُ، أي: أرسَلَ مَن يُحضِرُ هذا القاصَّ.

فلَمَّا جاءَ القاصُّ قال له مُعاويةُ: أُمِرتَ بهذا القَصَصِ؟ أي: هَل أمَرَك أحَدٌ مِنَ الوُلاةِ بتَحديثِ النَّاسِ بهذه القِصَصِ؟ فقال القاصُّ: لا، أي: لَم يَأمُرْني أحَدٌ.

فقال له مُعاويةُ: فما حَملَك على أن تَقُصَّ بغَيرِ إذنٍ؟ أي: فما الدَّاعي لك أن تُحَدِّثَ بهذه القِصَصِ بدونِ إذنٍ مِن أحَدٍ؟ فقال القاصُّ: نَنشُرُ عِلمًا عَلَّمَناه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أي: الدَّاعي له أنَّنا نُريدُ أن نَنشُرَ بَينَ النَّاسِ عِلمًا مِمَّا عَلَّمَنا اللَّهُ إيَّاه.

فقال له مُعاويةُ: لَو كُنتُ تَقدَّمتُ إليك لَقَطَعتُ مِنك طائِفةً! أي: لَو كُنتُ أتَيتُ لك قَبلَ هذا الوقتِ وقَبلَ تحديثِك لمَنَعتُك بَعضَ هذه القِصَصِ، وفي رِوايةٍ: لَو كُنتُ تَقدَّمتُ إليك لَفعَلتُ بك، انطَلِقْ فلا أسمَعُ أنَّك حَدَّثتَ شَيئًا.

ثُمَّ قامَ مُعاويةُ حينَ صَلَّى الظُّهرَ بمَكَّةَ، فقال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ أهلَ الكِتابِ، أي: اليَهودَ والنَّصارى، تَفرَّقوا في دينِهم، أي: اختَلَفوا على ثِنتَينِ وسَبعينَ مِلَّةً، أي: فِرقةً ودينًا ومَذهَبًا، وتَفتَرِقُ هذه الأُمَّةُ، أي: أُمَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ثَلاثٍ وسَبعينَ، أي: فِرقةً، كُلُّها في النَّارِ إلَّا واحِدةً، أي: الثِّنتانِ والسَّبعونَ في النَّارِ، وواحِدةٌ ناجيةٌ في الجَنَّةِ، وهيَ الجَماعةُ، أي: المُجتَمِعونَ على الحَقِّ واتِّباعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

ويَخرُجُ في أُمَّتي أقوامٌ، أي: جَماعاتٌ، تَتَجارى، أي: تَدخُلُ وتَجري وتَسري، بهم تلك الأهواءُ، وهو مَيلُ النَّفسِ إلى ما تَشتَهيه، والمُرادُ هنا الآراءُ المُخالِفةُ للكِتابِ والسُّنَّةِ، كما يَتَجارى، أي: يَجري، الكَلَبُ بصاحِبِه.

والكَلَبُ: داءٌ مَخوفٌ يَحصُلُ مِن عَضِّ الكَلبِ المَجنونِ، ويَتَفرَّقُ أثَرُه في البَدَنِ.

وعَلامَتُه في الكَلبِ حُمرةُ العَينَينِ، ودَلعُ اللِّسانِ، وسَيلُ ريقِه وأنفِه، وتَطَأطُؤُ رَأسِه ونُفورُ الكِلابِ مِنه، ولا يَزالُ يُدخِلُ ذَنَبَه بَينَ رِجلَيه، وإذا عَضَّ إنسانًا أصابَه مِن ذلك الدَّاءِ، وعَلامَتُه في الآدَميِّ المَعضوضِ أن يَظهَرَ عليه بَعدَ أيَّامٍ شَيءٌ مِنَ الأفكارِ الفاسِدةِ والأحلامِ الرَّديئةِ والوَسواسِ، واختِلاطٌ في العَقلِ، فيَهرُبُ مِنَ الضَّوءِ ويَأخُذُه الفواقُ والعَطَشُ ويَبكي، ورُبَّما نَبَحَ كالكِلابِ، ورُبَّما بالَ شَيئًا فيه لَحميَّةٌ كَأنَّها حَيَواناتٌ أو كِلابٌ صِغارٌ، فالكَلَبُ داءٌ عَظيمٌ إذا تَجارى بالإنسانِ تَمادى وهَلَكَ، فلا يَبقى مِنه، أي: مِمَّن به داءُ الكَلَبِ، عِرقٌ، أي: في البَدَنِ، ولا مَفصَلٌ، أي: مِن مَفاصِلِ البَدَنِ، إلَّا دَخَلَه، أي: كما يَدخُلُ داءُ الكَلَبِ في جَميعِ أعضاءِ الآدَميِّ، فكَذلك الأهواءُ تَدخُلُ في جَميعِ الأعضاءِ وتَتَمَكَّنُ مِن أعضائِه بحَيثُ لا تَخرُجُ مِنه غالبًا.

وإنَّما شَبَّهَ حالَهم بحالِ صاحِبِ الكَلَبِ؛ لاستيلاءِ الأهواءِ عليهمُ استيلاءَ تلك العِلَّةِ على صاحِبِها، ولِما فيها مِنَ المَعَرَّةِ المُعديةِ، ولِما يَتَولَّدُ مِنها مِنَ المَضَرَّةِ المُرْديةِ، ولتَنفِيرِهم مِنَ العِلمِ، وامتِناعِهم مِن قَبولِه تَنفيرَ صاحِبِ الكَلَبِ عنِ الماءِ، وامتِناعِه عنه حَتَّى يَهلِكَ عَطَشًا.

ثُمَّ قال مُعاويةُ: واللهِ يا مَعشَرَ، أي: جَماعةَ، العَرَبِ، لَئِن لَم تَقوموا بما جاءَ به مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: مِنَ التَّوحيدِ والإيمانِ والدَّعوةِ إليه وعَدَمِ التَّفرُّقِ، لَغَيرُ ذلك أحرى ألَّا تَقوموا، أي: فإنَّ غَيرَ ذلك أجدَرُ ألَّا تَفعَلوه.

وفي رِوايةٍ: فغَيرُكُم مِنَ النَّاسِ أحرى ألَّا يَقومَ به، أي: إذا لَم تَقوموا أنتُم بما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والقُرآنُ نَزَلَ فيكُم، فغَيرُكُم مِنَ النَّاسِ أجدَرُ وأولى ألَّا يَقوموا به.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ مُرافقةِ الأميرِ في الحَجِّ.

وفيه بَيانُ وُجودِ القُصَّاصِ في عَهدِ الصَّحابةِ.

وفيه اهتِمامُ الأميرِ بأمرِ القُصَّاصِ.

وفيه استِئذانُ الأميرِ في التَّحديثِ.

وفيه تَعليمُ الأميرِ النَّاسَ ما يُهمُّهم.

وفيه بَيانُ افتِراقِ الأُمَمِ السَّابقةِ.

وفيه بَيانُ افتِراقِ هذه الأُمَّةِ.

وفيه خُطورةُ الأهواءِ المُضِلَّةِ على الإنسانِ.

وفيه الحَثُّ على القيامِ بما جاءَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

أحاديث ذات صلة