أتَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بَني عَبدِ الأشْهَلِ، فصلَّى بهم المغربَ، فلمَّا سَلَّمَ قال: اركَعوا هاتَينِ الرَّكعَتَينِ في بُيوتِكُم، قال أبو عَبدِ الرَّحمنِ: قُلتُ لأبي: إنَّ رَجُلًا قال: مَن صلَّى رَكعَتَينِ بَعدَ المغربِ في المسجِدِ لم تُجْزِه إلَّا أنْ يُصَلِّيَهما في بَيتِه؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قال: هذه مِن صَلواتِ البُيوتِ، قال: مَن قال هذا؟ قُلتُ: مُحمَّدُ بنُ عَبدِ الرحمنِ، قال: ما أحْسَنَ ما قال: أو ما أحْسَنَ ما انتَزَعَ.
أخرجه أحمد (23628) واللفظ له، وابن أبي شيبة (6433)، وابن خزيمة (1200) بنحوه
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَذهَبُ إلى أصحابِه في أحيائِهم، فيُصَلِّي بهم ويُعَلِّمُهم أحكامَ الصَّلَواتِ، ومِن ذلك أنَّ نَوافِلَ الصَّلَواتِ تُؤَدَّى في البُيوتِ لا في المَسجِدِ؛ فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ في بَيتِه؛ ولهذا لمَّا ذَهَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بَني عَبدِ الأشهَلِ، وهم طائِفةٌ مِنَ الأنصارِ، إلى مَسجِدِهم كما في رِوايةٍ أُخرى، صَلَّى بهم صَلاةَ المَغرِبِ، فلَمَّا سَلَّمَ، أي: انتَهى مِنَ الصَّلاةِ، قال لَهم: اركَعوا هاتَينِ الرَّكعَتَينِ في بُيوتِكُم، أي: صَلُّوا رَكعَتي راتِبةِ المَغرِبِ في بُيوتِكُم.
وإنَّما قال لَهم ذلك عِندَما رَآهم قاموا يُصَلُّونَ النَّافِلةَ بَعدَ الصَّلاةِ، كما جاءَ ذلك موضَّحًا في رِوايةٍ أُخرى.
وكَونُها في البُيوتِ، قيلَ: لأنَّها أبعَدُ مِنَ الرِّياءِ وأقرَبُ إلى الإخلاصِ للَّهِ تعالى، ولئَلَّا تَخلوَ البُيوتُ عن ذِكرِ اللهِ تعالى.
قال أبو عَبدِ الرَّحمَنِ، وهو عبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: قُلتُ لأبي، أي: أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: إنَّ رَجُلًا قال: مَن صَلَّى رَكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ في المَسجِدِ لَم تُجزِه إلَّا أن يُصَلِّيَهما في بَيتِه، أي: أنَّ صَلاةَ سُنَّةِ المَغرِبِ في المَسجِدِ لا تُجزِئُ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: هذه، أي: الرَّكعَتانِ بَعدَ المَغرِبِ مِن صَلَواتِ البُيوتِ، أي: مِنَ الصَّلَواتِ التي تُؤَدَّى في البُيوتِ.
فقال أحمَدُ لابنِه: مَن قال هذا؟ أي: مَن صاحِبُ هذا القَولِ؟ فقال أبو عَبدِ الرَّحمَنِ: مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، وهو مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنُ أبي لَيلى أحَدُ فُقَهاءِ التَّابعينَ، فقال أبي: ما أحسَنَ ما قال، أو ما أحسَنَ ما انتَزَعَ! أي: أنَّ استِدلالَه بهذا الحَديثِ على أنَّ صَلاةَ الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِب لا تُجزِئُ استِدلالٌ حَسَنٌ، والانتِزاعُ، أي: الاختيارُ الموفَّقُ.
وفي المَسألةِ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ تَعليمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّلاةَ لأصحابِه.
وفيه تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وزيارَتُه لأصحابِه.
وفيه مَشروعيَّةُ أداءِ الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ في البُيوتِ.
وفيه أنَّ البُيوتَ لَها صَلاةٌ .
[مسند أحمد] (39/ 38) 23628- حدثنا ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب فلما سلم قال: (( اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم)) قال أبو عبد الرحمن: قلت لأبي: إن رجلا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجزه إلا أن يصليهما في بيته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( هذه من صلوات البيوت)) قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن قال: ما أحسن ما قال: أو ما أحسن ما انتزع
مصنف ابن أبي شيبة- ترقيم عوامة (2/ 246) 6433- حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد ، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد بني عبد الأشهل، فصلى بهم المغرب، فلما سلم، قال: اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، قال: فلقد رأيت محمودا، وكان إمام قومه يصلي بهم المغرب، ثم يخرج فيجلس بفناء المسجد، حتى يقوم قبل العتمة، فيدخل بيته فيصليهما.
صحيح ابن خزيمة (2/ 209) 1200- حدثنا الفضل بن يعقوب الجزري، نا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب، فلما سلم قال: ((اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم)).
قال: ((فلقد رأيت محمودا وهو إمام قومه يصلي بهم المغرب، ثم يخرج فيجلس بفناء المسجد حتى يقوم قبيل العتمة، فيدخل البيت، فيصليهما))