إنَّ الشيطانَ يَجري من ابنِ آدمَ مجرى الدَّمِ ، فضَيِّقوا مجارِيه بالجوعِ والصَّومِ
خَلقَ اللهُ آدَمَ وجَعَلَ الشَّيطانَ له ولذُرِّيَّتِه عَدُوًّا مُبينًا، والشَّيطانُ يَحرِصُ أشَدَّ الحِرصِ على إضلالِ وإغواءِ بَني آدَمَ بكُلِّ الطُّرُقِ والأساليبِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كيفيَّةَ التَّغَلُّبِ على الشَّيطانِ بأمرَينِ اثنَينِ فقال: إنَّ الشَّيطانَ يَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّمِ، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل له قوَّةً وقُدرةً على الجَريِ في باطِنِ الإنسانِ مَجاريَ دَمِه، وقيلَ: هو على الاستِعارةِ لكَثرةِ إغوائِه ووسوسَتِه، فكَأنَّه لا يُفارِقُ الإنسانَ كما لا يُفارِقُه دَمُه، وقيلَ: يُلقي وسوسَتَه في مَسامَّ لَطيفةٍ مِنَ البَدَنِ فتَصِلُ الوسوسةُ إلى القَلبِ.
فضَيِّقوا مَجاريَه، أي: ضَيِّقوا مَجرى الشَّيطانِ في البَدَنِ، بالجوعِ، أي: بتَركِ الأكلِ أوِ الإقلالِ مِنه.
والصَّومِ، أي: بالإكثارِ مِنَ الصَّومِ الذي فيه قَطعٌ لشَهوةِ الأكلِ؛ مِمَّا يُؤَدِّي ذلك إلى تَضييقِ مَجاري البَدَنِ، فالدَّمُ يَتَولَّدُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، وإذا أكَلَ أو شَرِب اتَّسَعَت مَجاري الشَّياطينِ، وإذا سَدَّ مَجاريَه لَم يَدخُلْ فيه الشَّيطانُ، فلَم يَكُنْ مُسَبِّبًا للعِصيانِ الذي هو سَبَبٌ لدُخولِ النَّارِ، وإذا ضاقَت مَجاري الدَّمِ انبَعَثَتِ القُلوبُ إلى فِعلِ الخَيراتِ التي بها تُفتَحُ أبوابُ الجَنَّةِ، وإلى تَركِ المُنكَراتِ التي بها تُفتَحُ أبوابُ النَّارِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ شِدَّةِ عَداوةِ الشَّيطانِ للإنسانِ.
وفيه أنَّ الشَّيطانَ له قُدرةٌ وتَمَكُّنٌ قَويٌّ مِن إغواءِ بَني آدَمَ؛ فهو يَجري مِنهم مَجرى الدَّمِ.
وفيه فَضلُ الجوعِ والصَّومِ .