أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ قالَ: قُلْتُ وأنا في سَفَرٍ معَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: واللهِ لَأَرقُبَنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لِصَلاةٍ حتَّى أرى فِعْلَه، فلمَّا صلَّى صَلاةَ العِشاءَ، وهي العَتَمةُ، اضْطَجَعَ هَوِيًّا مِن اللَّيْلِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فنَظَرَ في الأُفُقِ، فقالَ: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}، حتَّى بَلَغَ: {إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}، ثُمَّ أَهْوى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ إلى فِراشِه، فاسْتَلَّ مِنه سِواكًا، ثُمَّ أَفرَغَ في قَدَحٍ مِن إداوةٍ عنْدَه ماءً فاسْتَنَّ، ثُمَّ قامَ فصلَّى حتَّى قُلْتُ: قد صلَّى قَدْرَ ما نامَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حتَّى قُلْتُ: قد نامَ قَدْرَ ما صلَّى، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ ففَعَلَ كما فَعَلَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وقالَ مِثلَ ما قالَ، ففَعَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الفَجْرِ.
كان الصَّحابةُ يَحرِصونَ على مَعرِفةِ هَديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في عِباداتِه وأحوالِه كُلِّها في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ حِرصًا مِنهم على الاقتِداءِ به والعَمَلِ كَعَمَلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن ذلك أنَّ رَجُلًا مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
قيلَ: إنَّه زَيدُ بنُ خالدٍ الجُهَنيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، كان مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفَرٍ فقال: قُلتُ، أي: قال في نَفسِه، أو لبَعضِ أصحابِه: واللهِ لأرقُبَنَّ، أي: لأحفَظَنَّ ولأنظُرَنَّ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لصَلاةٍ، أي: لأجلِ صَلاةٍ يُصَلِّيها حَتَّى أرى فِعلَه، أي: كيفيَّةَ صَلاتِه في اللَّيلِ؛ حَتَّى أفعَلَ مِثلَه وأقتَديَ به، فلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صَلاةَ العِشاءِ، وهيَ العَتَمةُ.
والعَتَمةُ هيَ ظُلمةُ اللَّيلِ، وذَكَره بَعدَ لَفظِ العِشاءِ؛ لئَلَّا يُتَوهَّمَ أنَّ المُرادَ به المَغرِبُ؛ حَيثُ إنَّها يُطلَقُ عليها العِشاءُ أيضًا، اضطَجَعَ، أي: نامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعدَما صَلَّى صَلاةَ العِشاءِ هَويًّا مِنَ اللَّيلِ، أي: وقتًا طَويلًا مِنَ اللَّيلِ.
ثُمَّ استَيقَظَ، أي: انتَبَهَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ النَّومِ، فنَظَرَ في الأُفُقِ، أي: نَواحي السَّماءِ، ثُمَّ قَرَأ، أي: أنَّه قَرَأ هذه الآياتِ عِندَ نَظَرِه ناحيةَ الأُفُقِ، قَولَه تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191] أي: لَم تَخلُقْ ما في السَّمَواتِ والأرضِ عَبَثًا بَل خَلَقتَهما بالحَقِّ، حَتَّى بَلَغَ، أي: وصَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قِراءَتِه إلى قَولِه تعالى: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194] أي: وَعدَك للعِبادِ في يَومِ الميعادِ، أي: قَرَأ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 191 - 194] ، ثُمَّ أهوى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: قَصَدَ ومالَ بيَدِه إلى فِراشِه، فاستَلَّ مِنه سِواكًا، أي: انتَزَعَ السِّواكَ مِنَ الفِراشِ بتَأنٍّ وتَدريجٍ، ثُمَّ أفرَغَ، أي: صَبَّ في قَدَحٍ.
وهو وِعاءٌ يُشرَبُ به مِن إداوةٍ، وهيَ إناءٌ صَغيرٌ مِن جِلدٍ، عِندَه ماءٌ، أي: حَتَّى يَتَوضَّأَ ويَبُلَّ السِّواكَ بالماءِ، فاستَنَّ، أي: دَلكَ أسنانَه بالسِّواكِ، ثُمَّ قامَ فصَلَّى.
والظَّاهرُ أنَّه لَم يَتَوضَّأْ؛ لأنَّ نَومَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَنقُضُ وُضوءَه، بَل استاكَ، فقامَ إلى الصَّلاةِ، ويُحتَمَلُ أن يَكونَ ذلك الاستِنانُ عِندَ الوُضوءِ، فيَكونُ المُرادُ بقَولِه: فاستَنَّ، أي: تَوضَّأَ مَعَ الاستِنانِ.
يَقولُ الصَّحابيُّ: حَتَّى قُلتُ: قد صَلَّى قَدْرَ ما نامَ، أي: أنَّ صَلاتَه كانت قَدْرَ نَومِه، ثُمَّ اضطَجَعَ، أي: نامَ بَعدَ صَلاتِه تلك، حَتَّى قُلتُ، أي: في ظَنِّي: قد نامَ قَدْرَ ما صَلَّى، ثُمَّ استَيقَظَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ففعَلَ كما فعَلَ أوَّلَ مَرَّةٍ، أي: مِنَ التَّسَوُّكِ والوُضوءِ والصَّلاةِ، وقال مِثلَ ما قال، أي: مِن قِراءةِ الآياتِ المَذكورةِ، ففعَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَبلَ الفَجرِ، أي: تَكَرَّرَ هذا الفِعلُ والقَولُ مِنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والقيامُ والنَّومُ في اللَّيلِ إلى قَبلِ طُلوعِ الفَجرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم على مَعرِفةِ كيفيَّةِ صَلاةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في اللَّيلِ حَتَّى يَقتَدوا به.
وفيه مَشروعيَّةُ قيامِ اللَّيلِ في السَّفرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَسميةِ صَلاةِ العِشاءِ بالعَتَمةِ.
وفيه بَيانُ هَديِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قيامِ اللَّيلِ.
وفيه بَيانُ ما تُفتَتَحُ به صَلاةُ اللَّيلِ عِندَ القيامِ مِنَ النَّومِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّأهُّبِ لصَلاةِ اللَّيلِ بإعدادِ السِّواكِ، والطَّهورِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَقسيمِ أجزاءِ اللَّيلِ إلى أقسامٍ، فيُجعَلُ بَعضُه للصَّلاةِ، وبَعضُه للاستِراحةِ، حَتَّى تَأخُذَ النَّفسُ حَظَّها مِنَ الرَّاحةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ النَّظَرِ في السَّماءِ وقِراءةِ الآياتِ مِن قَولِه: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران: 191] عِندَ القيامِ مِنَ النَّومِ لصَلاةِ اللَّيلِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّسَوُّكِ عِندَ القيامِ مِنَ النَّومِ .