مَن أقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ وماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا كانَ حقًّا علَى اللَّهِ ، عزَّ وجلَّ ، أن يغفرَ لَه هاجرَ أو ماتَ في مَولدِهِ .
فقُلنا يا رسولَ اللَّهِ: ألا نخبِرُ بِها النَّاسَ فيستَبشِروا بِها ؟ فقالَ : إنَّ للجنَّةِ مائةَ درجةٍ بينَ كلِّ درجتَينِ كما بينَ السَّماءِ والأرضِ أعدَّها اللَّهُ للمُجاهدينَ في سبيلِهِ ولَولا أن أشقَّ علَى المؤمنينَ ولا أجدُ ما أحمِلُهُم علَيهِ ولا تَطيبُ أنفسُهُم أن يَتخلَّفوا بَعدي ما قعَدتُ خلفَ سريَّةٍ ولوَدِدتُ أنِّي أُقتَلُ ثمَّ أُحيا ثمَّ أُقتَلُ
أخرجه النسائي (3132)، والطبراني في ((الشاميين)) (1200)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (52/ 135) واللفظ لهم.
الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ مِن أفضَلِ الأعمالِ عِندَ اللهِ تعالى؛ لِما فيه مِن إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالى ونَشرِ دينِه، وبَذلِ النَّفسِ والمالِ في سَبيلِ اللهِ تعالى، وقد جاءَتِ الآياتُ والأحاديثُ الكَثيرةُ في بَيانِ فضلِه وفَضلِ المُجاهدينَ، وما لَهم عِندَ اللهِ مِنَ الأجرِ العَظيمِ والمَنزِلةِ العاليةِ في الجَنَّةِ، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشَيءٍ مِن أجرِ المُجاهدينَ، فيَقولُ: مَن أقامَ الصَّلاةَ، أي: بأن أدَّاها كما أمَرَ اللهُ تعالى في أوقاتِها بشُروطِها وأركانِها وسُنَنِها وخُشوعِها، ولَم يُخِلَّ بشَيءٍ مِنها، وآتى الزَّكاةَ، أي: أخرَجَ زَكاةَ مالِه كامِلةً طَيِّبةً بها نَفسُه لمُستَحِقِّيها، وماتَ لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا، أي: موحِّدًا للَّهِ تعالى، كان حَقًّا على اللهِ تعالى، أي: ثابتًا عليه بمُقتَضى وَعدِه، أن يَغفِرَ له، أي: استَوجَبَ بذلك أن يَغفِرَ اللهُ تعالى له ذُنوبَه، سَواءٌ هاجَرَ مِن بَلَدِه التي كان فيها إلى المَدينةِ، أو ماتَ في مَولِدِه، أي: بَلَدِه التي وُلِدَ فيها.
فلَمَّا سَمِعَ الصَّحابةُ عَظيمَ هذا الأجرِ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ألَا نُخبرُ بها النَّاسَ فيَستَبشِروا بها؟ أي: هَل نُخبرُ بهذا الفَضلِ النَّاسَ حَتَّى يَفرَحوا بذلك؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ للجَنَّةِ مِائةَ دَرَجةٍ، أي: مِئةَ مَنزِلةٍ، بَينَ كُلِّ دَرَجَتَينِ كما بَينَ السَّماءِ والأرضِ، أي: المَسافةُ بَينَ الدَّرَجَتَينِ كما بَينَ السَّماءِ والأرضِ، أعَدَّها اللهُ، أي: جَعَلَها اللهُ للمُجاهِدينَ في سَبيلِه جَزاءً وثَوابًا لَهم.
والمَعنى: لا تُخبروهم بهذه الفضيلةِ؛ لأنَّه ليس المَطلوبُ المَغفِرةَ فقَط، بَل تَحصيلُ الدَّرَجاتِ أيضًا مَطلوبٌ، والإخبارُ بمِثلِ هذا الخَبَرِ رُبَّما يُؤَدِّي إلى قَصرِ الهمَّةِ على تَحصيلِ المَغفِرةِ، وهو يُفضي إلى الحِرمانِ عنِ الدَّرَجاتِ المَطلوبةِ، فلا يَنبَغي الإخبارُ.
ولَولا أن أشُقَّ على المُؤمِنينَ، أي: لَولا مَخافةُ وُقوعِهم في الشِّدَّةِ والحَرَجِ، ولا أجِدُ ما أحمِلُهم عليه، أي: لا أملِكُ الخَيلَ والدَّوابَّ التي يَركَبُ عليها المُقاتِلونَ، ولا تَطيبُ أنفُسُهم، أي: لا تَرتاحُ نُفوسُهم في أن يَتَخَلَّفوا بَعدي، أي: بَعدَ خُروجي للغَزوِ، ما قَعَدتُ خَلفَ سَرِيَّةٍ.
وهيَ مَن يَبعَثُهمُ الإمامُ للقِتالِ، والسَّريَّةُ: طائِفةٌ مِنَ الجَيشِ يَبلُغُ أقصاها أربَعَمِائةِ شَخصٍ تُبعَثُ إلى العَدوِّ.
والمَعنى: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يَخرُجُ للجِهادِ حِرصًا مِنه على أصحابِه الذينَ يُريدونَ الغَزوَ مَعَه، وهو لا يَجِدُ مِنَ الدَّوابِّ ما يَحمِلُهم عليها ولا تَطيبُ نُفوسُهم بأن يَبقَوا في المَدينةِ؛ مِمَّا يُؤَدِّي بهم إلى أن يَخرُجوا مَعَه راجِلينَ، فيَشُقُّ ذلك عليهم، فلَولا هذا الأمرُ لَمَشَيتُ إلى الغَزوِ مَعَ كُلِّ جَيشٍ طَلَبًا لازديادِ أجرِ الغَزوِ، إلَّا أنَّ بَعضَ أصحابي فُقَراءُ ليس لَهم مَركوباتٌ، فإن ذَهَبتُ إلى الغَزوِ، وتَرَكتُهم في مَقامِهم ضاقَ صَدرُهم بتَخَلُّفِهم.
ثُمَّ يَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُبَيِّنًا مَكانةَ الشَّهادةِ في سَبيلِ اللهِ تعالى: ولَودِدتُ، أي: تَمَنَّيتُ أنِّي أُقتَلُ، أي: في سَبيلِ اللهِ، ثُمَّ أحيا، ثُمَّ أُقتَلُ، أي: يَتَمَنَّى أنَّه كُلَّما قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ أن يَحيا حَتَّى يُقتَلَ مَرَّةً أُخرى وهَكَذا، وتمَنَّى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك حِرصًا مِنه على الوُصولِ إلى أعلى دَرَجاتِ الشَّاكِرينَ بَذلًا لنَفسِه في مَرضاةِ رَبِّه، وإعلاءِ كَلِمَتِه، ورَغبةً في الازديادِ مِنَ الثَّوابِ، ولتَتَأسَّى به أُمَّتُه.
وفي الحَديثِ فَضلُ إقامةِ الصَّلاةِ.
وفيه فَضلُ أداءِ الزَّكاةِ.
وفيه فَضلُ التَّوحيدِ.
وفيه مَحَبَّةُ الصَّحابةِ للخَيرِ.
وفيه تَعَدُّدُ أعمالِ الخَيرِ والبِرِّ التي تُؤَدِّي إلى المَغفِرةِ.
وفيه إثباتُ وُجودِ الجَنَّةِ.
وفيه بَيانُ عَدَدِ دَرَجاتِ الجَنَّةِ التي للمُجاهِدينَ.
وفيه تَعظيمُ أمرِ الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تعالى.
وفيه فضلُ المُجاهِدينَ في سَبيلِ اللهِ تعالى.
وفيه رَحمةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأُمَّتِه وشَفقَتُه عليهم.
وفيه أنَّه إذا تَعارَضَتِ المَصالحُ بُدِئَ بأهمِّها.
وفيه مَشروعيَّةُ تَركِ بَعضِ المَصالحِ لمَصلَحةٍ راجِحةٍ أو أرجَحَ.
وفيه مَشروعيَّةُ السَّعيِ في إزالةِ المَكروهِ عنِ المُسلمينَ.
وفيه تَمَنِّي النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للشَّهادةِ في سَبيلِ اللهِ تعالى .