عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمِيلَةَ، نا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا مَا سَمِعْنَا حَدِيثًا، هُوَ أَحْسَنَ مِنْهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرِوَايَةً عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: إنَّ بني إسرائيلَ لما طال الأمدُ وقستْ قلوبُهم اخترعوا كتابًا من عندِ أنفسِهم، استهوتْهُ قلوبُهم، واستحلَّتْهُ ألسِنَتُهم، وكان الحقُّ يحولُ بينهم وبين كثيرٍ من شهواتهم، حتى نبذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون، فقالوا : الأصلُ: فقال اعرضوا هذا الكتابَ على بني إسرائيلَ، فإن تابعوكُم عليه، فاتركُوهم، و إن خالفوكُم فاقتلوهُم قال: لا، بل ابعثوا إلى فلانٍ - رجلٌ من علمائِهم - فإن تابعَكم فلن يختلفُ عليكم بعدَه أحدٌ فأرسلُوا إليه فدعُوه، فأخذ ورقةً فكتب فيها كتابَ اللهِ، ثم أدخلها في قرنٍ، ثم علَّقها في عنقِه، ثم لبس عليها الثيابَ، ثم أتاهم، فعرَضُوا عليه الكتابَ فقالوا: تُؤمنُ بهذا؟ فأشار إلى صدرِه - يعني الكتابَ الذي في القرنِ - فقال: آمنتُ بهذا، و ما لي لا أُومِنُ بهذا؟ فخلُّوا سبيلَه قال : وكان له أصحابٌ يغشُّونَه فلما حضرتْهُ الوفاةُ أتوْهُ فلما نزعوا ثيابَه وجدوا القرنَ في جوفِه الكتابُ، فقالوا: ألا تروْنَ إلى قولِه: آمنتُ بهذا، وما لي لا أُومِنُ بهذا، فإنما عنيَ بهذا هذا الكتابَ الذي في القرنِ قال: فاختلف بنو إسرائيلَ على بضعٍ وسبعين فرقةً، خيرُ مِلَلِهم أصحابُ أبي القرنِ
أخرجه سعيد بن منصور في ((التفسير)) (2179)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7183) واللفظ لهما، والطبري في ((تفسيره)) (22/ 410) بنحوه.
أخبَرَ القُرآنُ الكريمُ عن ضَلالِ وافتِراقِ الأُمَمِ السَّابقةِ وتَحريفِهم لكُتُبهمُ التي أُنزِلَت عليهم، وأنَّ ذلك بسَبَبِ قَسوةِ قُلوبهم واتِّباعِهم لشَهَواتِهم، يَقولُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ بَني إسرائيلَ لمَّا طالَ الأمَدُ، أي: الزَّمانُ، بَينَهم وبَينَ أنبيائِهم، وقَسَت قُلوبُهم.
وذلك بأن مالوا إلى الدُّنيا وأعرَضوا عن مَواعِظِ اللَّهِ، اختَرَعوا كِتابًا مِن عِندِ أنفُسِهم، أي: ألَّفوا كِتابًا مِن قِبَلِ أنفُسِهمُ استَهوته قُلوبُهم، أي: ارتاحَت له قُلوبُهم واستَحَلَّته ألسِنَتُهم، أي: رَأوه حُلوًا وسَهلًا على ألسِنَتِهم، وكان الحَقُّ يَحولُ بَينَهم وبَينَ كَثيرٍ مِن شَهَواتِهم، أي: وذلك بسَبَبِ أنَّ الحَقَّ الذي كان في كُتُبِهم كان يَمنَعُهم مِن كَثيرٍ مِنَ الشَّهَواتِ التي يُريدونَ مُقارَفتَها؛ فعِندَ ذلك نَبَذوا كِتابَ اللهِ وراءَ ظُهورِهم كَأنَّهم لا يَعلَمونَ، أي: طَرَحوا وتَرَكوا كِتابَ اللهِ الذي أُنزِلَ عليهم خَلْفَهم، كَأنَّهم لا يَعلَمونَ ما فيه مِنَ الأوامِرِ والنَّواهي، وأقبَلوا على الكِتابِ الذي اختَرَعوه مِن قِبَلِ أنفُسِهم.
ثُمَّ إنَّهم قالوا: اعرِضوا هذا الكِتابَ، أي: الذي اختَرَعوه، على بَني إسرائيلَ، فإن تابَعوكُم عليه فاترُكوهم، وإن خالَفوكُم فاقتُلوهم.
والمَعنى: أنَّهم يُريدونَ أن يُلزِموا بَني إسرائيلَ باتِّباعِ الكِتابِ الذي صَنَعوه.
فقال بَعضُهم: لا، أي: لا تَعرِضوه على كُلِّ بَني إسرائيلَ، بَل ابعَثوا إلى فُلانٍ؛ رَجُلٍ مِن عُلَمائِهم، فإن تابعَكُم فلَن يَختَلِفَ عليكُم بَعدَه أحَدٌ! وذلك أنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لعُلَمائِهم.
فأرسَلوا إليه، أي: إلى ذلك العالمِ فدَعَوه حَتَّى يَعرِضوا عليه الأمرَ، فأخَذَ هذا العالمُ ورَقةً، فكَتَبَ فيها كِتابَ اللهِ، أي: الكِتابَ الصَّحيحَ غَيرَ المُحَرَّفِ، ثُمَّ أدخَلَها في قَرنٍ، أي: وِعاءٍ يُشبِه القَرنَ، ثُمَّ عَلَّقَها في عُنُقِه، ثُمَّ لَبسَ عليها الثِّيابَ، ثُمَّ أتاهم، فعَرَضوا عليه الكِتابَ، أي: الكِتابَ الذي صَنَعوه، فقالوا: تُؤمِنُ بهذا؟ فأشارَ إلى صَدرِه، يَعني الكِتابَ الذي في القَرنِ، فقال: آمَنتُ بهذا، وما لي لا أومِنُ بهذا؟ وهو يَقصِدُ بذلك الورَقةَ التي كَتَبَها وعَلَّقَها في صَدرِه.
وهم ظَنُّوا أنَّه قد آمَنَ بكِتابهم؛ فخَلَّوا سَبيلَه.
وكان لهذا العالمِ أصحابٌ يَغشَونَه، أي: يَأتونَ إليه ويَزورونَه، فلَمَّا حَضَرَته الوفاةُ، أي: لمَّا قَرُبَ أجلُه وماتَ أتَوه، فلَمَّا نَزَعوا ثيابَه وجَدوا القَرنَ في جَوفِه الكِتابُ.
فقالوا: ألَا تَرَونَ إلى قَولِه: آمَنتُ بهذا، وما لي لا أومِنُ بهذا، فإنَّما عنى بهذا ذلك الكِتابَ الذي في القَرنِ! أي: أنَّه لَم يُؤمِنْ بكِتابهمُ المُحَرَّفِ.
فعِندَ ذلك اختَلَف بَنو إسرائيلَ على بِضعٍ وسَبعينَ فِرقةً.
والبِضعُ ما بَين الثَّلاثِ إلى التِّسعِ، خَيرُ مِلَلِهم أصحابُ أبي القَرنِ، أي: أفضَلُهم مَن كان على مِثلِ ما كان عليه صاحِبُ القَرنِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ قَسوةِ قُلوبِ بَني إسرائيلَ.
وفيه تَحريفُ بَني إسرائيلَ لكِتابِهم.
وفيه بَيانُ أهَمِّيَّةِ ومَكانةِ العالِمِ في الأُمَّةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّوريةِ.
وفيه تَمَسُّكُ بَعضِ بَني إسرائيلَ بالحَقِّ والكِتابِ الذي نَزَلَ عليهم.
وفيه بَيانُ اختِلافِ بَني إسرائيلَ على بِضعٍ وسَبعينَ فِرقةً .
التفسير من سنن سعيد بن منصور ط الصميعي (8/ 36) 2179 - حدثنا سعيد, قال: حدثنا أبو معاوية, قال: حدثنا الأعمش, عن عمارة بن عمير, عن الربيع بن عميلة, قال: حدثنا عبد الله حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله, أو رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم, أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم, اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم, واستحلته ألسنتهم, وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم, حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم, كأنهم لا يعلمون, فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل, فإن تابعوكم فاتركوهم, وإن خالفوكم فاقتلوهم, قالوا: لا, بل أرسلوا إلى فلان - رجل من علمائهم - فاعرضوا عليه هذا الكتاب, فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده, وإن خالفكم فاقتلوه, فلن يختلف عليكم بعده أحد.
فأرسلوا إليه, فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله, [[ثم جعلها في قرن]], ثم علقها في عنقه, ثم لبس عليها الثياب, فعرضوا عليه الكتاب, فقالوا له: تؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره, فقال: آمنت بهذا, وما لي لا أومن بهذا؟ يعني: الكتاب الذي في القرن.
فخلوا سبيله.
وكان له أصحاب يغشونه, فلما مات وجدوا القرن الذي فيه الكتاب معلق عليه, فقالوا: ألا ترون إلى قوله: "آمنت بهذا, وما لي لا أومن بهذا"؟ إنما عنى هذا الكتاب! فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة, وخير مللهم أصحاب ذي القرن.
قال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكرا, وبحسب امرىء يرى منكرا لا يستطيع أن يغيره: أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره.
شعب الإيمان (10/ 71) 7183 - أخبرنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، نا سعدان بن نصر، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن الربيع بن عميلة، نا عبد الله ، حدثنا ما سمعنا حديثا، هو أحسن منه إلا كتاب الله عز وجل، ورواية عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: " إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون " فقال: " اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم عليه فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم " قال: " لا بل ابعثوا إلى فلان رجل من علمائهم، فإن تابعكم لم يختلف عليكم أحد، وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله، ثم أدخلها في قرن ثم علقها في عنقه ثم لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأشار إلى صدره - يعني الكتاب الذي في القرن - فقال: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟ فخلوا سبيله قال: وكان له أصحاب يغشونه، فلما حضرته الوفاة أتوه فلما نزعوا ثيابه وجدوا القرن في جوفه الكتاب، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟ فإنما عنى بهذا هذا الكتاب الذي في القرن، قال: فاختلفت بنو إسرائيل على بضع وسبعين فرقة، خير مللهم أصحاب ذي القرن "، قال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرئ يرى منكرا لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره
تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (22/ 410) ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود ، فقال: يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: " هلك من لم يعرف قلبه معروفا، ولم ينكر قلبه منكرا، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه؛ قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويومئ إلى القرن الذي بين ثندوتيه، وما لي لا أومن بهذا الكتاب، فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن " ويعني بقوله: {فطال عليهم الأمد} [[الحديد: 16]] ما بينهم وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وذلك الأمد الزمان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل