لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم وَكانَ يقولُ إنَّ اللَّهَ وملائِكتَهُ يصلُّونَ على الصُّفوفِ الأولِ
أخرجه أبو داود (664) واللفظ له، والنسائي (811)، وأحمد (18518) باختلاف يسير، وابن ماجه (997) مختصراً
شَرَعَ الإسلامُ صَلاةَ الجَماعةِ لِما فيها مِنَ الأجرِ العَظيمِ، ولِما فيها مِنَ الفوائِدِ الكَثيرةِ على المُسلمينَ، ومِمَّا يَنبَغي على المُصَلِّين فِعلُه في صَلاةِ الجَماعةِ مُساواةُ الصُّفوفِ واستِقامَتُها وعَدَمُ الاختِلافِ فيها؛ فقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا قامَ للصَّلاةِ قال لأصحابِه: استَووا، ويُحَذِّرُهم مِنَ الاختِلافِ؛ فإنَّ الاختِلافَ في تَسويةِ الصُّفوفِ يُؤَدِّي إلى اختِلافِ القُلوبِ وتَباغُضِها، وقد أخبَرَ البَراءُ بنُ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنه كما جاءَ في سَبَبِ هذا الحَديثِ، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ، أي: يَدخُلُ بَينَ صُفوفِ الصَّحابةِ إذا قاموا إلى الصَّلاةِ، ويَقولُ: لا تَختَلفوا، أي: بأبدانِكُم بالتَّقدُّمِ والتَّأخُّرِ في الصُّفوفِ.
فتَختَلِفَ قُلوبُكُم، أي: فيَتَسَبَّبَ عنه اختِلافُ قُلوبِكُم، فتَنشَأَ بَينَكُمُ العَداوةُ والبَغضاءُ؛ وذلك لأنَّ في مُخالَفةِ الصُّفوفِ مُخالَفةَ الظَّواهرِ، واختِلافُ الظَّواهرِ سَبَبٌ لاختِلاف البَواطِنِ.
وكان يَقولُ: إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَه يُصَلُّونَ على الصُّفوفِ الأُوَلِ، أي: إنَّ اللَّهَ تعالى يُنزِلُ رَحمَتَه على عِبادِه الذينَ يُصَلُّونَ في الصُّفوفِ الأُوَلِ وكَذا المَلائِكةُ تَستَغفِرُ لَهم وتَدعو لَهم، وإنَّما كان الصَّفُّ الأوَّلُ أشرَفَ لِما فيه مِن كَونِ الواقِفِ فيه مُتَّصِفًا بكَونِه مِنَ السَّابقينَ الدَّانينَ مِنَ اللهِ تعالى، وكَونِه قَريبًا مِن سَماعِ القِراءةِ وإرشادِ الإمامِ.
وفي الحَديثِ التَّحذيرُ مِنَ الاختِلافِ في الصُّفوفِ.
وفيه أنَّ الاختِلافَ الظَّاهرَ يُؤَدِّي إلى الاختِلافِ الباطِنِ.
وفيه التَّرغيبُ في المُبادَرةِ إلى الصُّفوفِ المُقدَّمةِ.
وفيه فضيلةُ الصَّفِّ الأوَّلِ .