كُنتُ مع سَلْمانَ الفارِسيِّ تَحتَ شجَرةٍ، وأخَذَ منها غُصْنًا يابِسًا فهَزَّه حتى تَحاتَّ ورَقُه، ثُمَّ قال: يا أبا عُثمانَ، ألَا تَسْألُني: لِمَ أفعَلُ هذا؟ قُلتُ: ولِمَ تَفعَلُه؟ فقال: هكذا فَعَلَ بي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وأنا معَه تحتَ شجَرةٍ، فأخَذَ منها غُصْنًا يابِسًا، فهَزَّه حتى تَحاتَّ ورَقُه فقال: يا سَلْمانُ: ألَا تَسألُني لِمَ أفعَلُ هذا؟ قُلتُ: ولِمَ تَفعَلُه؟ قال: إنَّ المُسلِمَ إذا تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوُضوءَ، ثُمَّ صلَّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ، تحاتَّتْ خَطاياهُ كما يتَحاتُّ هذا الوَرَقُ، وقال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114].
أخرجه أحمد (23707) واللفظ له، والطيالسي (687)، ومحمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (83)
الصَّلاةُ فريضةٌ عَظيمةٌ ورُكنٌ مِن أركانِ الدِّينِ، وقد جاءَتِ النُّصوصُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ ببَيانِ فضلِها وفَضلِ المُحافَظةِ عليها، ومِن ذلك أنَّها تُزيلُ ذُنوبَ العَبدِ، وفي هذا الحَديثِ يَقولُ أبو عُثمانَ النَّهديُّ، وهو مِن كِبارِ التَّابعينَ: كُنتُ مَعَ سَلمانَ الفارِسيِّ رَضيَ اللهُ عنه، تَحتَ شَجَرةٍ، فأخَذَ سَلمانُ غُصنًا يابسًا مِنَ الشَّجَرةِ، فهَزَّه، أي: حَرَّكَه حَتَّى تَحاتَّ، أي: تَساقَطَ ورَقُه.
ثُمَّ قال سَلمانُ: يا أبا عُثمانَ، ألَا تَسألُني: لمَ أفعَلُ هذا؟ أي: عن سَبَبِ فِعلي بهذه الشَّجَرةِ هَكَذا.
فقال أبو عُثمان: ولمَ تَفعَلُه؟ أي: ما سَبَبُ فِعلِك له؟ فقال سَلمانُ: هَكَذا فعَلَ بي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا مَعَه تَحتَ شَجَرةٍ، فأخَذَ مِنها غُصنًا يابسًا، فهَزَّه حَتَّى تَحاتَّ ورَقُه، أي: أنا فعَلتُ مِثلَ ما فعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اقتِداءً به.
ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا سَلمانُ: ألا تَسألُني لمَ أفعَلُ هذا؟ فقال سَلمانُ: ولمَ تَفعَلُه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ المُسلمَ إذا تَوضَّأ فأحسَن الوُضوءَ، أي: بأن أدَّاه كما فعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسبغَه وأتمَّه ولَم يَنقُصْه، فأدَّاه بشُروطِه وأركانِه وسُنَنِه، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَواتِ الخَمسِ، تَحاتَّت، أي: تَساقَطَت خَطاياه، أي: ذُنوبُه، كما يتحاتُّ، أي: كما يَتَساقَطُ هذا الورَقُ مِن هذه الشَّجَرةِ.
ثُمَّ قَرَأ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولَه تَعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} المُرادُ بطَرَفيِ النَّهارِ الغَداةُ والعَشيُّ، أي: صَلاةُ الصُّبحِ والظُّهرِ والعَصرِ، {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} أي: طائِفةٌ مِنَ اللَّيلِ، وهيَ المَغرِبُ والعِشاءُ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .
والمَعنى: أنَّ الصَّلَواتِ الخَمسَ مِنَ الحَسَناتِ التي تُكَفِّرُ عنِ المَرءِ ذُنوبَه.
وفي الحَديثِ اقتِداءُ الصَّحابةِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه فضلُ المُحافظةِ على الصَّلَواتِ الخَمسِ.
وفيه تَعليمُ العالِمِ لطالِبِه ما يَنفعُه.
وفيه مَشروعيَّةُ ضَربِ الأمثالِ الحِسِّيَّةِ لتَقريبِ الفَهمِ للسَّامِعينَ.
وفيه تَبيينُ السُّنَّةِ لبَعضِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ .