خرجتُ ذاتَ يومٍ أَمْشِي لحاجةٍ فإذا أنا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَمْشِي فظَنَنْتُه يريدُ حاجةً، فجعلتُ أَكُفُّ عنه فلم أَزَلْ أفعلُ ذلك حتى رآني فأشار إلَيَّ فأتيتُه فأخذ بيَدِي فانطلَقْنا نمشي جميعًا، فإذا نحن برجلٍ بين أَيْدِينا يصلي يُكْثِرُ الركوعَ والسجودَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : أَتَرَى يُرَائِي ؟ فقلتُ : اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ، قال : فأرسل يَدَه وطَبق بين يَدَيْه ثلاثَ مِرَارٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ويُصَوِّبُهُما ويقولُ : عليكم هَدْيًا قاصدًا، عليكم هَدْيًا قاصدًا، عليكم هَدْيًا قاصدًا، فإنه مَن يُشَادَّ هذا الدينَ يَغْلِبُه .

الدلالات الموضوعية:# رقائق وزهد - القصد والمداومة على العمل# اعتصام بالسنة - الأمر بالتمسك بها# اعتصام بالسنة - اتباع النبي في كل شيء# اعتصام بالسنة - الأمر بلزوم الجماعة# اعتصام بالسنة - ما يكره من التعمق والغلو والبدع
المصدر: صحيح ابن خزيمة
الراوي: بريدة بن الحصيب الأسلمي
المحدث: الألباني
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أحمد (23013)، والطيالسي في ((مسنده)) (847)، وابن خزيمة (1179) واللفظ له.

الشرح والتوضيح

هذا الدِّينُ دينُ اليُسرِ والتَّيسيرِ والحَنيفيَّةِ السَّمحةِ، وقد أعطى وراعى إعطاءَ كُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا غُلوَّ ولا تَفريطَ، وقد وجَّهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه بذلك ومَنَعَهم من بَعضِ التَّجاوُزاتِ التي كانت تَحصُلُ منهم، وبَيَّنَ لَهمُ القَصدَ في العِبادةِ وعَدَمَ التَّشديدِ على النَّفسِ في النَّوافِلِ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي بُرَيدةُ بنُ الحُصَيبِ رَضيَ اللهُ عنه جانِبًا مِن جَوانِبِ أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في القَصدِ في الدِّينِ، فيَقولُ: إنَّه خَرَجَ ذاتَ يَومٍ يَمشي لحاجةٍ، أي: لغَرَضٍ مِنَ الأغراضِ، فإذا هو برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمشي فظَنَّه يُريدُ حاجةً، أي: ظَنَّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ أن يَذهَبَ لقَضاءِ حاجةٍ، فجَعَلَ بُرَيدةُ يَكُفُّ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: يَتَعَرَّضُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى يَراه كما في رِوايةٍ أُخرى، ولَم يَزَلْ يَفعَلُ ذلك، أي: استَمَرَّ يَتَعَرَّضُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حَتَّى رَآه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأشارَ إليه أن يَأتيَ، فذَهَبَ بُرَيدةُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخَذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِ بُرَيدةَ وانطَلَقا يَمشيانِ جَميعًا، حَتَّى وصَلوا إلى رَجُلٍ بَينَ أيديهم، أي: أمامَهم يُصَلِّي يُكثِرُ الرُّكوعَ والسُّجودَ، أي: أنَّه يُكثِرُ على نَفسِه في الصَّلاةِ.

فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لبُرَيدةَ: أتُرى يُرائي؟ أي: هَل تَظُنُّ أنَّ هذا الشَّخصَ يُرائي في صَلاتِه.

فقال بُرَيدةُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ.

وهذا مِن أدَبِه رَضيَ اللهُ عنه مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ أرسَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه مِن يَدِ بُرَيدةَ، وطَبَّق، أي: جَمَعَ بَينَ يَدَيه ثَلاثَ مِرارٍ، وفي رِوايةٍ: وضَرَبَ بإحدى يَدَيه على الأُخرى، وجَعَلَ يَرفعُ يَدَيه ويُصَوِّبُهما، أي: يَخفِضُهما، ويَقولُ: عليكُم هَديًا قاصِدًا! عليكُم هَديًا قاصِدًا! عليكُم هَديًا قاصِدًا! أي: طَريقًا وسَطًا مُعتَدِلًا لا إفراطَ فيه ولا تَفريطَ، والمَعنى: الزَموا القَصدَ في العَمَلِ وهو استِقامةُ الطَّريقِ أوِ الأخذُ بالأمرِ الذي لا غُلوَّ فيه ولا تَقصيرَ؛ فإنَّه مَن يُشادَّ هذا الدِّينَ يَغلِبْه، أي: يُقابِلْه بالشِّدَّةِ، والمَعنى: أنَّ مَن يُقاوِمُ هذا الدِّينَ ويُكَلِّفُ نَفسَه مِنَ العِباداتِ فوقَ طاقَتِه يُؤَدِّي به ذلك إلى التَّقصيرِ في العَمَلِ وتَركِ الواجِباتِ.

وكَرَّرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجُملةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ للتَّأكيدِ.

وإنَّما أمرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالهَديِ القاصِدِ ليَدومَ ذلك مِن أهلِه ويَستَمِرَّ عليه صاحِبُه.

وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ على مُرافقةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمَشيِ مَعَه.

وفيه اهتِمامُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأصحابِه.

وفيه تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه أدَبُ الصَّحابةِ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مَشروعيَّةُ قَولُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لمَن لَم يَعرِفِ الجَوابَ.

وفيه الأمرُ بلُزومِ القَصدِ في العِبادةِ.

وفيه التَّحذيرُ مِن مُشادَّةِ الدِّينِ

الأصول والأحكام

[مسند أحمد - قرطبة] (5/ 350) 23013- حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل ثنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن بريدة الأسلمى قال: خرجت ذات يوم لحاجة فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمشى بين يدي فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعا فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود فقال النبي صلى الله عليه و سلم أتراه يرائى فقلت الله ورسوله أعلم فترك يدي من يده ثم جمع بين يديه فجعل يصوبهما ويرفعهما ويقول عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا عليكم هديا قاصدا فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه.

[مسند أبي داود الطيالسي] (2/ 154) ‌847- حدثنا أبو داود، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن بريدة ، قال: ((خرجت يوما أمشي فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فظننته يريد حاجة، فعارضته حتى رآني، فأرسل إلي فأتيته، فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا رجل بين أيدينا يصلي يكثر الركوع والسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تراه مرائيا؟، قلت: الله ورسوله أعلم، فأرسل يدي فقال: عليكم هديا قاصدا؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه)).

[صحيح ابن خزيمة] (2/ 199) ‌1179- ثنا يعقوب الدورقي، ثنا ابن علية، ح وثنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل يعني ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال بريدة : خرجت ذات يوم أمشي لحاجة، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، فظننته يريد حاجة، فجعلت أكف عنه، فلم أزل أفعل ذلك حتى رآني، فأشار إلي فأتيته، فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا نحن برجل بين أيدينا يصلي، يكثر الركوع والسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أترى يرائي؟))، فقلت: الله ورسوله أعلم قال: فأرسل يده وطبق بين يديه ثلاث مرار، يرفع يديه ويصوبهما ويقول: ((عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا؛ فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه)).

(( هذا لفظ حديث مؤمل.

لم يقل الدورقي: فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه)).

أحاديث ذات صلة