دخلتُ علَى خبَّابٍ وقدِ اكتوَى في بطنِهِ سبعًا فقالَ: لولا أنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقول : لا يتمَنَّيَنَ أحدُكُمُ الموتَ لتَمنَّيتُهُ.
ولقد رأيتُني معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ لا أملِكُ درهمًا وإنَّ في جانبِ بيتيَ الآنَ لأربعينَ ألفَ درهمٍ ثمَّ أتى بِكَفنِهِ فلمَّا رآهُ بَكَى وقالَ ولَكِنَّ حمزةَ لم يوجَدْ لهُ كفنٌ إلَّا بُردةٌ ملحاءُ إذا جُعِلَت علَى رأسِهِ قَلُصَت عَن قدمَيهِ وإذا جُعِلَت علَى قدميهِ قَلُصَت عَن رأسِهِ حتى مدت على رأسه وجُعِلَ علَى قدميهِ الإذخِرُ .
أخرجه أحمد (21072)، والشاشي في ((مسنده)) (1015)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 145) باختلاف يسير.
لاقى الصَّحابةُ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بدايةِ أمرِهمُ الشِّدَّةَ والفقرَ والحاجةَ، فصَبَروا على ذلك ابتِغاءَ ما عِندَ اللهِ تَعالى، فماتَ بَعضُهم ولَم يُدرِكْ حَظًّا مِنَ الدُّنيا، ثُمَّ فتَحَ اللهُ على الصَّحابةِ وأكرَمَهم وجاءَ الخَيرُ والنَّعيمُ، يَقولُ حارِثةُ بنُ مُضَرِّبٍ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ: دَخَلتُ على خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ رَضيَ اللهُ عنه وقدِ اكتَوى في بَطنِه سَبعًا، أي: دَخَلَ عليه يَزورُه مِن مَرَضٍ أصابَ خَبَّابًا واشتَدَّ عليه حَتَّى إنَّه اكتَوى في بَطنِه سَبعَ كَيَّاتٍ بالنَّارِ، والكَيُّ نَوعٌ مِن أنواعِ العِلاجِ التي كانت شائِعةً عِندَ العَرَبِ وما زالَت.
فقال خَبَّابٌ: لَولا أنِّي سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: لا يَتَمَنَّينَّ أحَدُكُمُ المَوتَ لتَمَنَّيتُه! أي: جاءَ النَّهيُ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن تَمَنِّي المَوتِ، وإلَّا كُنتُ تَمَنَّيتُه؛ وذلك لشِدَّةِ مَرَضِه وألَمِه، وإنَّما نُهيَ عن تَمَنِّي المَوتِ لِما فيه مِن عَدَمِ الصَّبرِ على قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه.
ثُمَّ ذَكَرَ خَبَّابٌ حالَه وحالَ مَن كان مَعَه مِنَ الصَّحابةِ مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ولَقد رَأيتُني مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا أملِكُ دِرهَمًا، أي: كُنتُ أيَّامَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وليس لي أيُّ شَيءٍ مِن هذه الدُّنيا، وإنَّ في جانِبِ بَيتي الآنَ لأربَعينَ ألفَ دِرهَمٍ! أي: أمَّا الآنَ ففُتِحَت علينا الدُّنيا وأصبَحَ عِندي المالُ الكَثيرُ.
ثُمَّ أُتيَ بكَفنِه، أي: أحضَروا له كَفنَه، فلَمَّا رَآه بَكى، أي: لمَّا رَأى خَبَّابٌ كَفَّنه الذي سيُكَفَّنُ فيه بَكى وتَذَكَّرَ حَمزةَ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ؛ حَيثُ لَم يَجِدوا له كَفَنًا يُكَفِّنونَه فيه، قال خَبَّابٌ: ولَكِنَّ حَمزةَ لَم يوجَدْ له كَفَنٌ إلَّا بُردةٌ مَلحاءُ! أي: كِساءٌ فيه خُطوطٌ سودٌ وبيضٌ، إذا جُعِلَت على رَأسِه قَلَصَت، أي: ارتَفعَت لقِصَرِها عن قدَمَيه، وإذا جُعِلَت على قدَمَيه قَلَصَت عن رَأسِه، حَتَّى مُدَّت على رَأسِه، وجُعِلَ على قدَمَيه الإذخِرَ! أي: أنَّ حَمزةَ لَم يوجَدْ ما يُكَفِّنونَه فيه إلَّا بُردةٌ قَصيرةٌ، فكانوا إذا غَطَّوا رَأسَه ظَهَرَت قدَماه، وإذا غَطَّوا قدَمَيه ظَهَرَ رَأسُه، فعِندَ ذلك غَطَّوا رَأسَه ووضَعوا على قدَمَيه الإذخِرَ، وهو حَشيشٌ طَيِّبُ الرَّائِحةِ! وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ زيارةِ المَريضِ.
وفيه مَشروعيَّةُ العِلاجِ بالكَيِّ.
وفيه النَّهيُ عن تَمَنِّي المَوتِ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه حالُ الصَّحابةِ في بدايةِ الأمرِ مِنَ الفقرِ والحاجةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ اتِّخاذِ الإنسانِ لنَفسِه كَفَنًا قَبلَ المَوتِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَكفينِ الشَّهيدِ بغَيرِ ثيابِه التي استُشهدَ فيها.
وفيه أنَّ الكَفنَ إذا كان لا يَكفي لتَغطيةِ البَدَنِ كامِلًا غُطِّيَ رَأسُ المَيِّتِ ووُضِعَ على باقي البَدَنِ أيُّ شَيءٍ آخَرَ .
[مسند أحمد] (34/ 550) 21072 - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: دخلت على خباب ، وقد اكتوى سبعا فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتمنى أحدكم الموت لتمنيته ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم .
قال: ثم أتي بكفنه، فلما رآه بكى ، وقال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء، إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإذخر
المسند للشاشي (2/ 413) 1015 - حدثنا أبو الفضل أحمد بن ملاعب، نا خلف بن الوليد، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة قال: دخلت على خباب بن الأرت وقد اكتوى سبعا، فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتمنى أحدكم الموت , لتمنيته، لقد رأيتني مع النبي صلى الله عليه وسلم ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي لأربعين ألفا، وأتى بكفنه فلما رآه بكى، ثم قال: لكن حمزة لم يكن له إلا بردة ملحاء، إذا غطى بها رأسه قلصت عن رجليه، وإذا غطى بها قدمه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه، وجعل على رجليه الإذخر
[حلية الأولياء – لأبي نعيم] (1/ 145) حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، وحدثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي ثنا يحيى بن آدم، قالا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى سبعا، فقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتمنين أحدكم الموت لتمنيته زاد يحيى بن آدم: " ولقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي لأربعين ألف درهم، قال: ثم أتي بكفنه فلما رآه بكى، فقال: لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الأذخر "