عَن رجلٍ مِن بَهْزٍ ، أنَّهُ خرجَ معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يريدُ مَكَّةَ حتَّى إذا كانوا في بعضِ وادي الرَّوحاءِ ، وجدَ النَّاسُ حمارَ وحشٍ عقيرًا ، فذَكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ فقالَ : أقرُّوهُ حتَّى يأتيَ صاحبُهُ فأتى البَهْزيُّ ، وَكانَ صاحبَهُ فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ ، شأنَكُم بِهَذا الحمارِ ؟ فأمرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ أبا بَكْرٍ فقسمَهُ في الرِّفاقِ ، وَهُم مُحرِمونَ ، قالَ : ثمَّ مرَرنا حتَّى إذا كنَّا بالأثايةِ إذا نحنُ بظبيٍ حاقِفٍ في ظلٍّ فيهِ سَهْمٌ ، فأمرَ النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ رجلًا أن يقفَ عندَهُ حتَّى يجيزَ النَّاسُ .

الدلالات الموضوعية:# أطعمة - ما يحل من الأطعمة# حج - الحكم في الصيد على المحرم# هبة وهدية - هبة المشاع# حج - لحم الصيد للمحرم# حج - مباحات الإحرام
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: عمير بن سلمة الضمري
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح ، رجاله رجال الصحيح

الشرح والتوضيح

الحَجُّ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ له أركانٌ وواجِباتٌ وسُنَنٌ، وله كذلك مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها أثناءَ الإحرامِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومِن مَحظوراتِ الإحرامِ الصَّيدُ؛ فالمُحرِمُ مَمنوعٌ أثناءَ إحرامِه مِنَ الصَّيدِ، كما قال تَعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ يُريدُ مَكَّةَ، أي: خَرَجَ مِنَ المَدينةِ هو وأصحابُه يُريدُ الذَّهابَ إلى مَكَّةَ وهم مُحرِمونَ، حَتَّى إذا كانوا في بَعضِ وادي الرَّوحاءِ، أي: حَتَّى وصَلوا في سَيرِهم إلى وادي الرَّوحاءِ، وهو أحَدُ أوديةِ المَدينةِ، يَقَعُ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، فيه بئرٌ مَعروفةٌ قديمًا باسمِ بئرِ الرَّوحاءِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنزِلُ به إذا أرادَ العُمرةَ أوِ الحَجَّ أو عِندَ رُجوعِه مِن بَعضِ الغَزَواتِ.

وجَدَ النَّاسُ حِمارَ وحشٍ عَقيرًا، أي: مَعقورًا، يَعني أنَّه مَقتولٌ بالجُرحِ، والمَعنى: أنَّهم وجَدوا حِمارَ وحشٍ أُصيبَ مِنَ الصَّيدِ فقُتِلَ بجِراحِه.

فذَكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّهم ذَكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمْرَ هذا الحِمارِ وسَألوه أن يَأذَنَ لَهم في أكلِه.

فقال: أقِرُّوه، أي: اترُكوه ولا تَتَصَرَّفوا فيه حَتَّى يَأتيَ صاحِبُه، نَهاهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنه لاستِحقاقِ صائِدِه له، وقد رَأى أنَّ الذي صادَه وبَلَغَ به ذلك المَبلَغَ سيَقرُبُ مَجيئُه إليه، فأتى البَهزيُّ، وكان صاحِبَه، أي: جاءَ رَجُلٌ مِن بَني بَهزٍ واسمُه زَيدُ بنُ كَعبٍ البَهْزيُّ السُّلَميُّ، وهو صاحِبُ الحِمارِ، إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال: يا رَسولَ اللهِ، شَأنُكُم بهذا الحِمارِ، أي: هذا الحِمارُ لَكُم تَصرَّفوا فيه كَيف شِئتُم، والمَعنى: أنَّه أذِنَ لَهم في الأكلِ مِنه، فأمر رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه أن يُقَسِّمَ الحِمارَ في الرِّفاقِ، أي: بَينَ أصحابِه الذينَ رافقوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سَفرِه، ويُعطيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم نَصيبَه، والرِّفاقُ: الجَماعةُ مِنَ النَّاسِ يَجتَمِعونَ في المَأكَلِ والنُّزولِ والتَّعاوُنِ على العَمَلِ، وهم مُحرِمونَ، أي: أنَّهم أكَلوا مِن هذا الحِمارِ وهم مُحرِمونَ؛ وذلك أنَّهم لَم يَصيدوه، وإنَّما صادَه الحَلالُ، ولَم يَكُنْ صادَه لأجلِهم.

ثُمَّ انصَرَف رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الرَّوحاءِ وذَهَب حَتَّى إذا كانوا بالأثايةِ، وهو مَكانٌ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، يَبعُدُ عنِ المَدينةِ 74 كم، إذا هم بظَبيٍ حاقِفٍ، أي: نائِمٍ قدِ انحَنى في نَومِه، وقيلَ: واقِفٌ مُنحَنٍ رَأسُه بَينَ يَدَيه إلى رِجلَيه، في ظِلٍّ، فيه سَهمٌ.

يَحتَمِلُ أن يَكونَ المُرادُ أنَّ في ذلك الظَّبيِ سَهمًا مُتَعَلِّقًا به، بأن رَماه شَخصٌ بسَهمٍ، فبَقيَ مُتَعَلِّقًا به، ولَم يَقتُلْه.

ويَحتَمِلُ أن يَكونَ المُرادُ أنَّ في ذلك الظِّلِّ سَهمًا، أي: حَجَرًا مُهَيَّئًا للاصطيادِ، فأمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلًا أن يَقِف عِندَه حَتَّى يُجيزَ النَّاسَ، أي: أمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحَدَ أصحابِه أن يَقِفَ عِندَ هذا الظَّبيِ كالحارِسِ له حَتَّى لا يَتَعَرَّضَ له أحَدٌ ويُزعِجَه حَتَّى يَمشيَ جَميعُ النَّاسِ مِن عِندِه؛ وذلك لأنَّ المُحرِمَ لا يَجوزُ له أن يُنفِّرَ الصَّيدَ.

وفي الحَديثِ عَدَمُ أخذِ شَيءٍ إلَّا بإذنِ صاحِبِه.

وفيه مَشروعيَّةُ أكلِ المُحرِمِ مِمَّا صادَه الحَلالُ إذا لَم يَكُنْ صِيدَ لأجلِه.

وفيه أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ مِن أن يُنَفِّرَ الصَّيدَ.

وفيه أنَّ الصَّائِدَ إذا أثبَتَ الصَّيدَ برُمحِه أو سَهمِه، وأصابَ مَقاتِلَه، فقد مَلَكَه بذلك.

وفيه مَشروعيَّةُ هبةِ الشَّيءِ الواحِدِ للجَماعةِ .

أحاديث ذات صلة