أتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ رجُلٌ مِن اليَهودِ، فقال: يا أبا القاسمِ، ألستَ تزعُمُ أنَّ أهلَ الجنَّةِ يأكُلونَ ويشرَبونَ؟ وقال لأصحابِه: إنْ أقَرَّ لي بهذه خصَمتُه.
قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: بلى، والذي نفْسي بيَدِه، إنَّ أحَدَهم ليُعطَى قوَّةَ مئةِ رجُلٍ في المطعَمِ، والمشرَبِ، والشَّهْوةِ، والجِماعِ.
قال: فقال له اليَهوديُّ: فإنَّ الذي يأكُلُ ويشرَبُ تكونُ له الحاجةُ؟ قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: حاجةُ أحَدِهم عرَقٌ يفيضُ مِن جلودِهم مثلُ ريحِ المِسكِ، فإذا البطنُ قد ضمَرَ.
أخرجه أحمد (4/367)
أعَدَّ اللَّهُ تعالى الجَنَّةَ دارَ النَّعيمِ المُقيمِ لأوليائِه المُتَّقينَ، وقد جاءَ في وصفِ الجَنَّةِ وما فيها من النَّعيمِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ شَيءٌ كَثيرٌ؛ ففيها ما تَشتَهيه الأنفُسُ وتَلَذُّ الأعيُنُ، وفيها ما لا عَينٌ رَأت ولا أذُنٌ سَمِعَت ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكثِرُ مِن وَصفِ الجَنَّةِ لأصحابِه تَشويقًا لهم فيها وتَرغيبًا وحَثًّا للأعمالِ الصَّالحةِ، ومن صِفاتِ الجَنَّةِ أنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَتَنَعَّمونَ فيها بجَميعِ أنواعِ المَآكِلِ والمَشارِبِ، فيَأكُلونَ ويَشرَبونَ، ومَعَ ذلك لا يَحتاجونَ إلى قَضاءِ الحاجةِ كما هو الحالُ في الدُّنيا، بَل إنَّ ما يَأكُلونَه يَخرُجُ مِنهم عَرَقًا رائِحَتُه مِثلُ رائِحةِ المِسكِ، وقد جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ مِنَ اليَهودِ، فقال: يا أبا القاسِمِ.
وهيَ كُنيةُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ألستَ تَزعُمُ أنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَأكُلونَ ويَشرَبونَ؟ وقال لأصحابِه، أي: قال اليَهوديُّ لأصحابِه، إن أقَرَّ لي بهذه خَصَمتُه، أي: غَلَبتُه في الخُصومةِ، والمَعنى: يُريدُ أن يُخاصِمَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سُؤالِه بأنَّ أهلَ الجَنَّةِ إذا كانوا يَأكُلونَ ويَشرَبونَ فإنَّهم سَيَحتاجونَ لقَضاءِ الحاجةِ، والجَنَّةُ لَيسَت مَكانًا للأذى! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: بَلى، والذي نَفسي بيَدِه، أي: نَعَم، أهلُ الجَنَّةِ يَأكُلونَ ويَشرَبونَ، وإنَّ أحَدَهم في الجَنَّةِ ليُعطى قُوَّةَ مِئةِ رَجُلٍ في المَطعَمِ والمَشرَبِ والشَّهوةِ -أي: لكُلِّ مُشتَهًى، وذَكَرَها لأنَّ ما عَداها راجِعٌ إليها؛ إذِ المَلبَسُ والمَسكَنُ مِنَ الشَّهوةِ- والجِماعِ، أي: يُعطى قُوَّةَ مِائةِ رَجُلٍ في ذلك.
فقال اليَهوديُّ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فإنَّ الذي يَأكُلُ ويَشرَبُ تَكونُ له الحاجةُ! أي: أنَّ الذي يَأكُلُ ويَشرَبُ يَحتاجُ إلى قَضاءِ الحاجةِ، والجَنَّةُ ليس فيها أذًى.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: حاجةُ أحَدِهم.
وهو كِنايةٌ عنِ البَولِ والغائِطِ: عَرَقٌ يَفيضُ، أي: يَخرُجُ مِن مَسامِّ جُلودِهم مِثلَ ريحِ المِسكِ، فإذا البَطنُ قد ضَمُرَ، أي: انهَضَمَ وانضَمَّ وأصبَحَ خاليًا مِنَ الطَّعامِ، جَعَلَ اللهُ سُبحانَه لَهم أسبابًا لتَصَرُّفِ الطَّعامِ؛ مِنَ الجُشاءِ، والعَرَقِ الذي يَفيضُ مِن جُلودِهم، وجَعَلَ في أجوافِهم مِنَ الحَرارةِ ما يَطبُخُ الطَّعامَ ويُلَطِّفُه ويُهَيِّئُه لخُروجِه عَرَقًا أو جُشاءً، إلى غَيرِ ذلك مِنَ الأسبابِ التي لا تَتِمُّ المَعيشةُ إلَّا بها.
وصانَ اللَّهُ الجَنَّةَ عن أوساخِ الدُّنيا، وصانَ العِبادَ مِن سُكَّانِها عن ذلك؛ ليَتِمَّ تَنَعُّمُ أهلِ الجَنَّةِ بكُلِّ نَعيمٍ، ويَسلَموا مِن كُلِّ مُنَغِّصٍ.
وفي الحَديثِ بَيانُ نَعيمِ أهلِ الجَنَّةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ اليَمينِ والقَسَمِ لتَأكيدِ شَيءٍ عَظيمٍ ومُهِمٍّ.
وفيه أنَّ الأكلَ الذي يَأكُلُه أهلُ الجَنَّةِ يَخرُجُ مِنهم عَرَقًا ريحُه مِثلُ المِسكِ.
وفيه أنَّ الجَنَّةَ مُطَهَّرةٌ مِنَ الأذى.
وفيه بَيانُ قُدرةِ اللهِ تعالى على كُلِّ شَيءٍ.
وفيه أنَّ أسئِلةَ اليَهودِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للخُصومةِ والعِنادِ وليس للانقيادِ والإيمانِ .