يَجِيءُ النبيُّ يومَ القيامةِ ومعه الرجلُ ، والنبيُّ ومعه الرجلانِ ، والنبيُّ ومعه الثلاثةُ ، وأكثرُ من ذلك ، فيُقالُ له : هل بَلَّغْتَ قومَك ؟ فيقولُ : نعم ، فيُدْعَى قومُه ، فيُقالُ لهم : هل بَلَّغَكم هذا ؟ فيقولونَ : لا ، فيُقالُ له : مَن يَشْهَدُ لك ؟ فيقولُ : مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ ، فيُدْعَى مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ فيُقالُ لهم : هل بَلَّغَ هذا قومَه ؟ فيقولونَ : نعم ، فيُقالُ : وما عِلْمُكُم بذلك ؟ فيقولونَ : جاءنا نبيُّنا ، فأَخْبَرَنا أنَّ الرُّسُلَ قد بَلَّغُوا فصَدَّقْناه ، فذلك قولُه : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
أخرجه ابن ماجه (4284) واللفظ له، وأحمد (11558) بنحوه، والبخاري (7349) بذكر نوح.
فضَّلَ اللَّهُ تعالى أُمَّةَ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَعَلَها خَيرَ الأُمَمِ؛ وذلك لفَضلِ نَبيِّها صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ، ومِن فَضلِ هذه الأُمَّةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَها شاهدةً على الأُمَمِ السَّابقةِ مَعَ أنَّها آخِرُ الأُمَمِ، ففي الحَديثِ: أنَّه يَجيءُ النَّبيُّ يَومَ القيامةِ ومَعَه الرَّجُلُ، والنَّبيُّ ومَعَه الرَّجُلانِ، والنَّبيُّ ومَعَه الثَّلاثةُ، وأكثَرُ مِن ذلك، أي: يَأتي النَّبيُّ يَومَ القيامةِ ولَم يُؤمِنْ مَعَه مِن أمَّتِه إلَّا الرَّجُلُ والرَّجُلانِ أوِ الثَّلاثةُ، والمَقصودُ بذلك قِلَّةُ مَن آمَنَ به مَعَ دَعوتِه لقَومِه وعَدَمِ تَقصيرِه في الدَّعوةِ.
فيُقالُ لهذا النَّبيِّ: هَل بَلَّغتَ قَومَك؟ أي: هَل دَعَوتَهم إلى اللهِ تعالى؟ فيَقولُ: نَعَم، أي: قد دَعَوتُهم وحَرَصتُ على إيمانِهم لَكِنَّهم لَم يَستَجيبوا.
فيُدعى قَومُ هذا النَّبيِّ، ويُقالُ لَهم: هَل بَلَّغَكُم نَبيُّكُم هذا؟ فيَقولونَ: لا، أي: يُنكِرونَ أن يَكونَ دَعاهم وأنذَرَهم، فيُقالُ للنَّبيِّ: مَن يَشهَدُ لَك؟ أي: مَن يَشهَدُ لَك على صِدقِ ما قُلتَ مِن أنَّك بلَّغتَهم؟ فيَقولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُه، أي: همُ الذينَ سَيَشهَدونَ لي أنِّي قد بَلَّغتُ قَومي.
فيُدعى مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأُمَّتُه فيُقالُ لَهم: هَل بَلَّغَ هذا قَومَه؟ أي: هَل هذا النَّبيُّ بَلَّغَ قَومَه؟ فتَقولُ هذه الأُمَّةُ: نَعَم، أي: هو صادِقٌ فيما قال؛ فقد بَلَّغَهم ودَعاهم ولَكِنَّهم كَذَّبوا.
فيُقالُ لَهم: وما عِلمُكُم بذلك؟! أي: وكَيف عَرَفتُم أنَّه بَلَّغَهم وأنتُم آخِرُ الأُمَمِ؟! فيَقولونَ: جاءَنا نَبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبَرَنا عنِ اللهِ في القُرآنِ أنَّ الرُّسُلَ قد بَلَّغوا ما أُرسِلوا به فصَدَّقْناه على ذلك، وهذا هو مَعنى قَولِه تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ، أي: جَعَلْناكُم أُمَّةً عُدولًا خيارًا حَتَّى تَكونوا شُهَداءَ على النَّاسِ.
والمَقصودُ بهذه الشَّهادةِ إظهارُ فَضْلِهم بَينَ الأُمَمِ، وإلَّا فكَفى باللهِ شَهيدًا.
وفي الحَديثِ قِلَّةُ مَن آمَن مِنَ الأُمَمِ السَّابقةِ.
وفيه فَضلُ هذه الأُمَّةِ على بَقيَّةِ الأُمَمِ.
وفيه إقامةُ اللهِ تعالى الحُجَّةَ على الأُمَمِ السَّابقةِ يَومَ القيامةِ.
وفيه تَكذيبُ الأُمَمِ السَّابقةِ لأنبيائِهم.
وفيه شَهادةُ هذه الأُمَّةِ للأنبياءِ على تَبليغِهم.
وفيه تَفسيرُ القُرآنِ بالسُّنَّةِ .
سنن ابن ماجه (5/ 347 ت الأرنؤوط) :
4284 - حدثنا أبو كريب، وأحمد بن سنان قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح
عن أبي سعيد ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، ويجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتدعى أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم.
فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا، فصدقناه، قال: فذلكم قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} قال: عدلا {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيد}
[[البقرة: 143]] "
مسند أحمد (18/ 112 ط الرسالة) :
11558 - حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك.
فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا.
فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم.
فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته.
فيدعى وأمته ، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم.
فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا: أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} قال: يقول: عدلا، {لتكونوا شهداء على الناس
ويكون الرسول عليكم شهيدا} [[البقرة: 143]] ".
صحيح البخاري (9/ 107) 7349 - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم، فتشهدون "، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [[البقرة: 143]]- قال: عدلا - {لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا} [[البقرة: 143]]، وعن جعفر بن عون، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا.