بعثني أبو موسَى بفتحِ تُسْتَرَ إلى عمرَ رضِي اللهُ عنه فسألني عمرُ وكان ستَّةُ نفرٍ من بني بكرِ بنِ وائلٍ قد ارتدُّوا عن الإسلامِ ولحِقوا بالمشركين ، فقال : ما فعل النَّفرُ من بكرِ بنِ وائلٍ ؟ قال : فأخذتُ في حديثٍ آخرَ لأشغله عنهم ، فقال : ما فعل النَّفرُ من بكرِ بنِ وائلٍ ؟ قلتُ : يا أميرَ المؤمنين قومٌ ارتدُّوا عن الإسلامِ ولحِقوا بالمشركين ما سبيلُهم إلَّا القتلُ ، فقال عمرُ : لأن أكونَ أخذتُهم سلمًا أحبَّ إليَّ ممَّا طلعت عليه الشَّمسُ من صفراءَ أو بيضاءَ ، قال : قلتُ : يا أميرَ المؤمنين وما كنتَ صانعًا بهم لو أخذتَهم ؟ قال : كنتُ عارضٌ عليهم البابَ الَّذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه ، فإن فعلوا ذلك قبلتُ منهم وإلَّا استودعتُهم السَّجنَ
أخرجه عبد الرزاق (18696)، وابن أبي شيبة (32737)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(5105) واللفظ لهم.
جاءَ التَّحذيرُ الشَّديدُ فيمَن كَفرَ بَعدَ إسلامِه، وبَيانُ ما يَستَحِقُّه منَ العِقابِ، ولكِن قَبلَ أن يُقامَ عليه الحَدُّ والعِقابُ يُستَتابُ فلعَلَّه يَتوبُ؛ ولهذا كان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَرى أنَّ المُرتَدَّ يُستَتابُ، ولمَّا افتَتَحَ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وأبو موسى الأشعَريُّ رَضِيَ اللهُ عنهما تُستَرَ -وهي مَدينةٌ عَظيمةٌ من مُدُنِ فارِسَ- أرسَل أبو موسى رَضِيَ اللهُ عنه أنَسًا إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يُبَشِّرُه بفتحِ هذه المَدينةِ.
وكان سِتَّةُ نَفَرٍ مِن بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ قدِ ارتَدُّوا عنِ الإسلامِ ولَحِقوا بالمُشرِكينَ.
فسَألَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه أنَسًا عنهم، فقال: ما فَعَل النَّفَرُ مِن بَكرِ بنِ وائِلٍ؟ أي: ماذا فعَلتُم بهم بَعدَ أنِ ارتَدُّوا وأينَ همُ الآنَ؟ قال أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنه: فأخَذتُ في حَديثٍ آخَرَ لأشغَلَه عنهم، أي: فَتَح أنَسٌ حَديثًا آخَرَ حَتَّى يَشغَلَ عُمَرَ عن سُؤالِه عن حالِ هؤلاء الذينَ ارتَدُّوا.
لَكِنَّ عُمرَ أعاد السُّؤالَ مَرَّةً أُخرى، فقال: ما فَعَل النَّفَرُ مِن بَكرِ بنِ وائِلٍ؟ فقال أنَسٌ: يا أميرَ المُؤمِنينَ قَومٌ ارتَدُّوا عنِ الإسلامِ ولَحِقوا بالمُشرِكينَ ما سَبيلُهم إلَّا القَتلُ، أي: أنَّ جَزاءَهمُ القَتلُ لكَونِهمُ ارتَدُّوا.
فقال عُمَرُ: لأن أكونَ أخَذتُهم سِلمًا، أي: بدونِ قَتلٍ، أحَبُّ إليَّ مِمَّا طَلَعَت عليه الشَّمسُ مِن صَفراءَ أو بَيضاءَ، أي: لأن أكونَ أبقَيتُهم ولَم أقتُلْهم كان أحَبَّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها مِن صَفراءَ وهو الذَّهَبُ، أو بَيضاءَ وهي الفِضَّةُ.
فقال أنَسٌ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، وما كُنتَ صانِعًا بهم لَو أخَذْتَهم؟ أي: ماذا كُنتَ سَتَفعَلُ بهم إذا أخَذتَهم.
فقال عُمَرُ: كُنتُ عارِضًا عليهمُ البابَ الذي خَرَجوا مِنه أن يَدخُلوا فيه، فإن فعَلوا ذلك قَبِلتُ مِنهم وإلَّا استَودَعتُهمُ السِّجنَ، أي: كُنتُ سأعرِضُ عليهمُ الرُّجوعَ إلى الإسلامِ حَتَّى يَرجِعوا إليه، فإن رَجَعوا قَبِلْنا مِنهم ذلك، وإن لَم يَرجِعوا سَجَنَّاهم، أي: أنَّه كان يَرى أنَّهم يُستَتابونَ أبَدًا دونَ قَتلٍ.
وفي المَسألةِ خِلافٌ هَل يُستَتابُ المُرتَدُّ أم لا، ومَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ التَّبشيرِ بفَتحِ البُلدانِ.
وفيه سُؤالُ الإمامِ عن أحوالِ الرَّعيَّةِ.
وفيه بَيانُ اختِلافِ الصَّحابةِ في مَسألةِ قَتلِ المُرتَدِّ.
وفيه بَيانُ رَأيِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه في المُرتَدِّ .
مصنف عبد الرزاق الصنعاني (10/ 165) 18696 - أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري , عن داود , عن الشعبي , عن أنس رضي الله عنه , قال: بعثني أبو موسى بفتح تستر إلى عمر رضي الله عنه , فسألني عمر - وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام , ولحقوا بالمشركين - , فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فأخذت في حديث آخر لأشغله عنهم , فقال ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين , قوم ارتدوا عن الإسلام , ولحقوا بالمشركين , ما سبيلهم إلا القتل , فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما , أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء , قال: قلت: يا أمير المؤمنين , وما كنت صانعا بهم لو أخذتهم؟ قال: كنت عارضا عليهم الباب الذي خرجوا منه , أن يدخلوا فيه , فإن فعلوا ذلك , قبلت منهم , وإلا استودعتهم السجن
مصنف ابن أبي شيبة (6/ 438) 32737 - حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: ثنا عامر، أن أنس بن مالك ، حدثه أن نفرا من بكر بن وائل ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين فقتلوا في القتال، فلما أتيت عمر بن الخطاب بفتح تستر قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: قلت عرضت في حديث آخر لأشغله عن ذكرهم، قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: قلت: قتلوا يا أمير المؤمنين، قال: لو كنت أخذتهم سلما كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء ، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، وما كان سبيلهم لو أخذتهم إلا القتل، قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالشرك، قال: كنت أعرض أن يدخلوا في الباب الذي خرجوا منه، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا استودعتهم السجن
شرح معاني الآثار (3/ 210) 5105 - حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم , عن داود بن أبي هند , عن الشعبي قال: حدثني أنس بن مالك قال: لما فتحنا تستر , بعثني أبو موسى إلى عمر فلما قدمت عليه، قال: ما فعل حجيبة وأصحابه.
وكانوا ارتدوا عن الإسلام , ولحقوا بالمشركين , فقتلهم المسلمون.
فأخذت به في حديث آخر , فقال: ما فعل النفر البكريون؟ قلت: يا أمير المؤمنين , إنهم ارتدوا عن الإسلام , ولحقوا معهم بالمشركين , فقتلوا.
فقال عمر: لأن يكون أخذتهم سلما أحب إلي من كذا وكذا.
قلت يا أمير المؤمنين , ما كان سبيلهم لو أخذتهم سلما إلا القتل , قوم ارتدوا عن الإسلام , ولحقوا بالمشركين.
فقال: لو أخذتهم سلما , لعرضت عليهم الباب الذي خرجوا منه , فإن رجعوا , وإلا استودعتهم السجن