فقال معاويةُ لِلْمِقْدَامِ: تُوُفِّيَ الحَسَنُ فَاسْتَرْجَعَ ، فقال : أَتَرَاها مُصِيبَةً ؟ قال : ولمْ لا ؟ قد وضعَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حِجْرِهِ وقال : هذا مِنِّي ، وحُسَيْنٌ من عليٍّ ، فقال لِلأَسَدِيِّ : ما تقولُ أنتَ ؟ قال جَمْرَةٌ أُطْفِئَتْ .
فقال المِقْدَامُ : أُنْشِدُكَ اللهَ ! هل سَمِعْتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَنْهَى عن لِبْسِ الذَّهَبِ والحَرِيرِ، وعَنْ جُلودِ السِّباعِ والرُّكُوبِ عليْها ؟ قال : نَعَمْ .
قال فواللهِ لقدْ رأيْتُ هذا كلَّهُ في بيتِكَ .
فقال معاويةُ : عَرَفْتُ أَنِّي لا أنْجُو مِنْكَ .
أخرجه أبو داود (4131)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (20/ 269) (636) واللفظ لهما تامًا، وأحمد (17189) مقتصرًا على أوله.
لأهلِ بَيتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكانةٌ جَليلةٌ وقَدرٌ رَفيعٌ، لشَرَفِ نِسبَتِهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومَحَبَّتِهم منَ الدِّينِ، ومن عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ مَحَبَّةُ أهلِ بَيتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَولِّيهم ورِعايةُ حُقوقِهم، وقد ورَدَت في فضلِهمُ الأحاديثُ الكَثيرةُ، ومن خيارِ آلِ بَيتِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فهو سِبطُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورَيحانَتُه، وابنُ بنتِه فاطِمةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحِبُّه كثيرًا؛ ولهذا لمَّا توفِّي الحَسَنُ بنُ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما في زَمَنِ مُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنه سَنةَ تِسعٍ وأربَعينَ للهجرةِ، وَفَد المِقدامُ بنُ مَعدِيكَرِبَ رَضِيَ اللهُ عنه، وعَمرُو بنُ الأسوَدِ، وهو تابعيٌّ، على مُعاويةَ، فقال مُعاويةُ للمِقدامِ: توفِّيَ الحَسَنُ! فاستَرجَعَ المِقدامُ، أي: قال: إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ.
فقال له مُعاويةُ: أتُراها مُصيبةً؟! أي: هَل تَعُدُّ مَوتَ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ مُصيبةً حَتَّى تَستَرجِعَ؟ وذلك لأنَّ اللَّهَ تعالى يَقولُ: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] .
فقال المِقدامُ: ولمَ لا؟ أي: ولماذا لا يَكونُ مَوتُ الحَسَنِ مُصيبةً، وقد وضَعَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حِجرِه، أي: حِضنِه، وقال: هذا مِنِّي.
ولَعَلَّه نَسَب الحَسَنَ إليه؛ لأنَّه أقرَبُ شَبَهًا مِنَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحُسَينٌ مِن عليٍّ؛ لأنَّه كان أقرَبَ شَبَهًا بعَليِّ بنِ أبي طالِبٍ.
ثُمَّ قال مُعاويةُ للأسَديِّ، وهو عَمرُو بنُ الأسوَدِ: ما تَقولُ أنتَ؟ أي: ماذا تَقولُ أنتَ في مَوتِ الحَسَنِ.
فقال الأسَديُّ: جَمرةٌ أُطفِئَت، أي: أخمَدَها اللَّهُ وأزال شَرَرَ شُرورِها وفِتنَتِها! والجَمرةُ هيَ قِطعةُ النَّارِ المُلتَهبةُ، والمَعنى: أنَّ حَياة الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عنه كانت فِتنةً، فلَمَّا تَوفَّاه اللهُ تعالى سَكَنَتِ الفِتنةُ، فاستَعارَ الجَمرةَ لحَياةِ الحَسَنِ، وإطفاءها لمَوتِه، وأرادَ بقَولِه هذا أن يُرضيَ مُعاويةَ ويَتَقَرَّبَ له.
ثُمَّ قال المِقدامُ لمُعاويةَ: أنشُدُك اللَّهَ، أي: أستَحلِفُك باللهِ وأُقسِمُ عليك، هَل سَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَنهى عن لُبسِ الذَّهَبِ والحَريرِ، وعن جُلودِ السِّباعِ والرُّكوبِ عليها؟ أي: الجُلوسِ عليها.
فقال مُعاويةُ رَضِيَ اللهُ عنه: نَعَم.
فقال المِقدامُ: فواللهِ لَقد رَأيتُ هذا كُلَّه في بَيتِك! أي: رَأيتُ لُبسَ الذَّهَبِ والحَريرِ للرِّجالِ، ولُبسَ جُلودِ السِّباعِ والجُلوسِ عليها في أهلِك! والمَعنى: أنَّ أبناءَك ومَن تَقدِرُ عليه لا يَحتَرِزونَ عنِ استِعمالها وأنتَ لا تُنكِرُ عليهم! فقال مُعاوية: عَرَفتُ أنِّي لا أنجو مِنك، أي: لا أسلَمُ مِنك؛ وذلك لأنَّ كَلامَك صَحيحٌ وحَقٌّ.
وفي الحَديثِ فَضلُ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه مَشروعيَّةُ الاستِرجاعِ عِندَ المُصيبةِ.
وفيه النَّهيُ عن لُبسِ الذَّهَبِ والحَريرِ.
وفيه النَّهيُ عن لُبسِ جُلودِ السِّباعِ والجُلوسِ عليها.
وفيه إنكارُ المُنكَرِ على مَن وُجِدَ مِنه.
وفيه شَجاعةُ الصَّحابةِ في إنكارِ المُنكَرِ وقَولِ الحَقِّ.
وفيه الإنكارُ على الإمامِ.
وفيه أنَّ صاحِبَ البَيتِ مسؤولٌ عَمَّا فيه مِن مُنكَراتٍ .
سنن أبي داود (4/ 68) 4131 - حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد، قال: وفد المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟ فرجع المقدام، فقال له رجل: أتراها مصيبة؟ قال له: ولم لا أراها مصيبة، وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال: هذا مني وحسين من علي؟، فقال الأسدي: جمرة أطفأها الله عز وجل.
قال: فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك، وأسمعك ما تكره، ثم قال: يا معاوية إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قال: أفعل، قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم، قال: فوالله، لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية، فقال معاوية: قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام، قال خالد: فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبيه وفرض لابنه في المائتين، ففرقها المقدام في أصحابه، قال: ولم يعط الأسدي أحدا شيئا مما أخذ، فبلغ ذلك معاوية، فقال: أما المقدام فرجل كريم بسط يده، وأما الأسدي فرجل حسن الإمساك لشيئه
[المعجم الكبير – للطبراني] (20/ 269) 636 - حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، ثنا محمد بن مصفى، ثنا بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، قال: وفد المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود - رجل من الأسد من أهل قنسرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - إلى معاوية رحمه الله، فقال معاوية للمقدام : أما علمت أن الحسن بن علي توفي؟ قال: فاسترجع المقدام، فقال له معاوية: أتراها مصيبة؟ قال: ولم لا أراها مصيبة؟ وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال: هذا مني، وحسين من علي ، فقال للأسدي: ما تقول أنت؟ فقال: جمرة أطفأها الله، فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك اليوم وأسمعك ما تكره
ثم قال: إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، فقال: أفعل، فقال: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس الذهب؟ قال: نعم.
قال: وأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير؟ قال: نعم
قال: أنشدك بالله، هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع والركوب عليها؟ قال: نعم قال: فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية ، فقال معاوية: قد عرفت أني لن أنجو منها اليوم يا مقدام ، قال خالد: وأمر له معاوية بمال ولم يأمر لصاحبه، وفرض لابنه، قال: ففرقها المقدام على أصحابه ولم يعط الأسدي شيئا مما أخذ، فبلغ ذلك معاوية فقال: أما المقدام فرجل كريم بسيط يديه، وأما الأسدي فرجل حسن الإمساك لنفسه
[مسند أحمد] (28/ 426) 17189 - حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، قال: وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو بن الأسود إلى معاوية، فقال معاوية للمقدام : أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟ فرجع المقدام، فقال له معاوية: أتراها مصيبة؟ فقال: ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، وقال: هذا مني وحسين من علي