- إنَّ مطعمَ ابنِ آدمَ قد ضرب مثلًا للدنيا، و إنَّ قَزَّحَه و مَلَّحَه، فانظُرْ إلى ما يصيرُ
الزُّهدُ في الدُّنيا مِمَّا رَغَّبَت فيه الشَّريعةُ، ومَن أرادَ محبَّةَ اللهِ فليَزهَدْ في الدُّنيا، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ازهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّك اللهُ.
ويَكونُ الزُّهدُ فيها بالتَّقَلُّلِ مِن زَهرَتِها ومَفاتِنِها وشَهَواتِها، ولهذا شَبَّه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدُّنيا أنَّها مِثلُ طَعامِ ابنِ آدَمَ، فقال: إنَّ مَطعَمَ ابنِ آدَمَ، أي: ما يَأكُلُه ويَشرَبُه، قد ضُرِبَ مَثَلًا للدُّنيا، أي: لدَناءَتِها وقَذارَتِها وحَقارَتِها، وإنْ قَزَّحَه، أي: تَوبَلَه، مِنَ القِزْحِ، وهو التَّابلُ الذي يُطرَحُ في القِدرِ، كالكَمُّونِ والكُزبَرةِ ونَحوِ ذلك، وبالَغَ في تَحسينِه، ومَلَّحَه، أي: ألقى فيه المِلحَ بقَدرِ الإصلاحِ؛ فانظُرْ إلى ما يَصيرُ، أي: ما يَخرُجُ مِنه، كان قَبلَ ذلك ألوانًا مِنَ الأطعِمةِ طَيِّبةً ناعِمةً وشَرابًا سائِغًا، فصارَت عاقِبَتُه إلى ما تَرى، فكَذلك الدُّنيا خَضِرةٌ حُلوةٌ، والنَّفسُ تَميلُ إليها، والجاهِلُ بعاقِبَتِها يَتَنافَسُ في زَهرَتِها ظانًّا أنَّها تَبقى أو هو يَبقى، وغايَتُها كَغايةِ طَعامِه وشَرابِه.
والمَعنى: أنَّ المَطعَمَ وإن تَكَلَّف الإنسانُ التَّنَوُّقَ في صَنعَتِه وتطييبِه فإنَّه عائِدٌ إلى حالٍ يُكرَهُ ويُستَقذَرُ، فكذلك الدُّنيا المَحروصُ على عِمارَتِها ونَظْمِ أسبابِها راجِعةٌ إلى خَرابٍ وإدبارٍ.
وفي الحَديثِ بَيانُ حَقارةِ الدُّنيا.
وفيه التَّزهيدُ في عَدَمِ الحِرصِ على الدُّنيا.
وفيه مَشروعيَّةُ ضَربِ الأمثالِ لتَقريبِ الفَهمِ للسَّامِعينَ .