أنه سمع أبا بكرٍ, حينَ قُبِضَ النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ – يقولُ : قام رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ – في مقامِي هذا عامَ الأولِ, ثم بكى أبو بكرٍ ثم قال : عليكم بالصدقِ, فإنه مع البرِّ, وهما في الجنةِ, إياكم والكذبَ, فإنه مع الفجورِ, وهما في النارِ, وسلوا اللهَ المعافاةَ فإنه لم يؤتَ أحدٌ بعدَ اليقينِ خيرًا من المعافاةِ, ولا تحاسَدوا ولا تباغَضوا ولا تقاطعوا ولا تَدابروا وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا .
حَثَّ الإسلامُ على التَّآخي والتَّحابِّ والتَّوادِّ بَينَ الإخوانِ، وشَرَعَ لذلك كُلَّ ما يُؤَدِّي إلى زيادةِ الوُدِّ والأُلفةِ بَينَهم، وحَذَّر مِنَ العَداوةِ والبَغضاءِ فيما بَينَهم، فنَهى عن كُلِّ ما يُؤَدِّي إلى العَداوةِ، ومِن ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَهى عن جُملةٍ مِنَ المَنهيَّاتِ كُلُّها تُسَبِّبُ العَداوةَ والبَغضاءَ، وقد قامَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه حينَ قُبِضَ، أي: توفِّيَ، النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: قامَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في مَقامي هذا، أي: في مَكاني مِنَ المِنبَرِ، عامَ الأوَّلِ، أي: عامَ الزَّمانِ الأوَّلِ، والمُرادُ به العامُ السَّابقُ على هذا العامِ، ثُمَّ بَكى أبو بَكرٍ، بَكى لتَذَكُّرِه رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحَنينِه إليه! ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: عليكُم بالصِّدقِ، أي: الزَموه واحرِصوا عليه، سَواءٌ كان مَعَ الخالقِ أوِ الخَلْقِ، والصِّدقُ: هو الإخبارُ على وَفقِ الواقِعِ، وقَولُ الحَقِّ؛ فإنَّه مَعَ البِرِّ.
والبِرُّ هو اسمٌ جامِعٌ للخَيرِ كُلِّه، وقيلَ: هو العَمَلُ الخالصُ مِن كُلِّ مَذمومٍ، وهما، أي: الصِّدقُ والبِرُّ، في الجَنَّةِ، أي: أنَّهما يوصِلانِ ويُدخِلانِ صاحِبَهما الجَنَّةَ.
وإيَّاكُم والكَذِبَ، أي: احذَروه واجتَنِبوه.
والكَذِبُ: هو الإخبارُ على غَيرِ ما هو في الواقِعِ؛ فإنَّه مَعَ الفُجورِ.
والفُجورُ: هو المَيلُ عنِ الاستِقامةِ، وقيلَ: الانبعاثُ في المَعاصي، وهما، أي: الكَذِبُ والفُجورُ، في النَّارِ، أي: يُدخِلانِ صاحِبَهما إلى النَّارِ.
وسَلوا اللهَ المُعافاةَ، أي: اطلُبوا مِنَ اللهِ أن يُعطيَكُمُ العافيةَ ويَرزُقَكُم إيَّاها، وهيَ السَّلامةُ في الدِّينِ مِنَ الفِتَنِ، وفي البَدَنِ مِن سَيِّئِ الأسقامِ وشِدَّةِ المِحنةِ؛ فإنَّه لَم يُؤتَ أحَدٌ بَعدَ اليَقينِ -أي: بَعدَ الإيمانِ والبَصيرةِ في الدِّينِ؛ فاليَقينُ هو المَطلوبُ الأوَّلُ؛ إذ لا عِبرةَ لشَيءٍ مِنَ الأعمالِ بدونِه- خَيرًا مِنَ المُعافاةِ، ولا تَحاسَدوا.
والحَسَدُ: تَمَنِّي زَوالِ النِّعمةِ عنِ الغَيرِ، أي: لا يَتَمَنَّ أحَدُكُم زَوالَ النِّعمةِ عن أخيه المُسلمِ، ولا تَباغَضوا، أي لا تَتعاطَوا أسبابَ البُغضِ؛ لأنَّ البُغضَ لا يُكتَسَبُ ابتِداءً، وقيلَ: المُرادُ النَّهيُ عنِ الأهواءِ المُضِلَّةِ المُقتَضيةِ للتَّباغُضِ، ولا تَقاطَعوا، أي: لا يَقطَعْ بَعضُكُم بَعضًا، وهو ضِدُّ الوَصلِ، وقيلَ: لا تَقطَعوا الرَّحِمَ التي توصَلُ.
ولا تَدابَروا، أي: لا تَتَهاجَروا، فيَهجُرُ أحَدُكُم أخاه، مَأخوذٌ مِن تَوليةِ الرَّجُلِ الآخَرَ دُبُرَه إذا أعرَضَ عنه حينَ يَراه، وهو تَأكيدٌ للنَّهيِ عنِ المُقاطَعةِ، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا، أي: أنَّكُم إذا تَرَكتُم هذه المَنهيَّاتِ كُنتُم إخوانًا، ومَفهومُه: إذا لَم تَترُكوها تَصيرون أعداءً، وقَولُه: عِبادَ اللهِ، أي: يا عِبادَ اللهِ، ومَعنى كونوا إخوانًا: اكتَسِبوا ما تَصيرونَ به إخوانًا مِمَّا سَبَقَ ذِكرُه وغَيرِ ذلك مِنَ الأُمورِ المُقتَضيةِ؛ فأنتُم عَبيدُ اللهِ، فحَقُّكُم أن تتواخَوا بذلك، فتَكونوا كإخوانِ النَّسَبِ في الشَّفقةِ والرَّحمةِ والمَحَبَّةِ والمواساةِ والمُعاوَنةِ والنَّصيحةِ.
وفي الحَديثِ بُكاءُ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه لفِراقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه الحَثُّ على لُزومِ الصِّدقِ.
وفيه الحَذَرُ مِنَ الكَذِبِ.
وفيه الأمرُ بسُؤالِ اللهِ المُعافاةَ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّحاسُدِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّباغُضِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّقاطُعِ.
وفيه النَّهيُ عنِ التَّدابُرِ.
وفيه الأمرُ بالتَّآخي.
وفيه الحَثُّ على اكتِسابِ ما يَصيرُ المُسلِمونَ به إخوانًا.
وفيه الحَذَرُ مِن كُلِّ ما يُؤَدِّي إلى أسبابِ البَغضاءِ والشَّحناءِ بَينَ المُسلِمينَ .