كُنْتُ رَديفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فعَثَرَتْ دابَّتُه، فقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطانُ، فقالَ: لا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطانُ؛ فإنَّك إذا قُلْتَ ذلك تَعاظَمَ حتَّى يكونَ مِثلَ البَيْتِ، ويقولُ: بقُوَّتي، ولكنْ قُلْ: باسْمِ اللهِ؛ فإنَّك إذا قُلْتَ ذلك تَصاغَرَ حتَّى يكونَ مِثلَ الذُّبابِ.
عَلَّمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه مَحاسِنَ الآدابِ ومَكارِمَها، سَواءٌ في الألفاظِ أوِ الأفعالِ، بأن تَكونَ ألفاظُ المُسلمِ مُرتَبطةً باللهِ تعالى فيما يُصيبُه مِن مَصائِبَ ونَحوِ ذلك، حتَّى لا يَجعَلَ للشَّيطانِ مَدخَلًا عليه، وقد جاءَ أنَّ رَجُلًا مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان رَديفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: راكِبًا خَلفَه على الدَّابَّةِ.
فعَثَرَت دابَّتُه، أي: خَرَّت وسَقَطَت، فقال الصَّحابيُّ: تَعِسَ الشَّيطانُ! أي: شَقيَ وهَلَكَ، وانكَبَّ على وَجهِه، فلَم تُجبَرْ عَثرَتُه ولَزِمَه الشَّرُّ.
فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيطانُ! نَهاه أن يَقولَ ذلك؛ فإنَّك إذا قُلتَ ذلك، أي: قُلتَ: تَعِسَ الشَّيطانُ! تعاظَمَ حتَّى يَكونَ مِثلَ البَيتِ، أي: أنَّ الشَّيطانَ يَتَضَخَّمُ ويَصيرُ كَبيرًا مِثلَ البَيتِ؛ لأنَّ هذا القَولَ في هذه الحالِ يَفهَمُ مِنه الشَّيطانُ أنَّه هو الذي أعثَرَه وأوقَعَه في ذلك؛ فلهذا يَتعاظَمُ ويُعجِبُه نِسبةُ الأشياءِ إليه، ونَحنُ مَأمورونَ بإذلالِه وإهانَتِه، وإلصاقِ وَجهِه بالتُّرابِ تَحقيرًا له، ويَقولُ: بقُوَّتي، أي: حَدَثَ هذا التَّعَثُّرُ بقُوَّتي! ثُمَّ أرشَدَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِما يَقولُ، فقال: ولَكِنْ قُلْ: باسمِ اللهِ، أي: بأمرِ اللَّهِ وقدَرِه حَدَثَ ذلك، وبالاستِعانةِ باللهِ تعالى يَزولُ الخَطَرُ والشَّرُّ، ويَعلَمُ الشَّيطانُ خَطَأَ نَفسِه وأنَّ ما فهِمَه لَم يَخطُرْ للإنسانِ على بالٍ، بَل اعتِقادُه أنَّ ما أصابَه لَم يَكُنْ إلَّا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لا مِنَ الشَّيطانِ، وأنَّه لا يَزالُ ذاكِرًا لرَبِّه حتَّى عِندَ المُصيبةِ، فيَنخَذِلُ الشَّيطانُ حينَئِذٍ وتَصغُرُ نَفسُه؛ فإنَّك إذا قُلتَ ذلك، أي: قُلتَ: بسمِ اللهِ، تَصاغَرَ، أي: صارَ الشَّيطانُ حَقيرًا ذَليلًا حتَّى يَكونَ مِثلَ الذُّبابِ، أي: في حَجمِه وحَقارَتِه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الإردافِ على الدَّابَّةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ رُكوبِ اثنَينِ على الدَّابَّةِ.
وفيه النَّهيُ عن قَولِ: تَعِسَ الشَّيطانُ.
وفيه الحَثُّ على ذِكرِ اللهِ تعالى والاستِعانةِ به في كُلِّ الأُمورِ.
وفيه أنَّ النَّفعَ والضَّرَّ بيَدِ اللهِ سُبحانَه.
وفيه تَعليمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأُمَّتِه وإرشادُهم وتَوجيهُهم لأحسَنِ الألفاظِ.
وفيه إغاظةُ الشَّيطانِ بالإتيانِ بالذِّكرِ .